|
يقول: الدكتور محمد سليم العوا: (إن أصحاب رسول الله، وهم
حملة الشريعة، والقائمون عليها من بعده، غيروا بعض السنن
المروية عن الرسول لما تغيرت الظروف لعلمهم أنها صدرت عنه –
عليه السلام – ملاحظًا فيها حال الأمة ومقتضيات البيئة زمن
التشريع دون أن تكون شرعًا لازمًا عامًا في كل حال. ولولا
ذلك ما غيروا، ونحن نعيذهم جميعًا من أن يخالفوا حديث رسول
الله، وهم يعلمون أنه دين عام، وتشريع لازم لكل الناس في
جميع الحالات، وكيف يتصور أن يقع ذلك منهم، وهم أحرص الناس
على اتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وترسم خطاه )
()
.
ويقول الدكتور معروف الدواليبي في مقال بعنوان: « النصوص
وتغير الأحكام بتغير الزمان »: (لقد اعتبرت الشريعة
الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية حقًا خاصًا بمن له
سلطة التشريع وأخذت به، أما التغيير لحكم لم ينسخ قصة من قبل
الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين، تبعًا لتغير
المصالح في الأزمان أيضًا، وامتازت بذلك على غيرها من
الشرائع، وأعطت فيها درسًا بليغًا عن مقدار ما تعطيه من حرية
للعقول في الاجتهاد، ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام.
وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع
الإسلامي، تعلن بأنه « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأمان »)
().
ويقول الدكتور النويهي: (إن كل التشريعات التي تخص أمور
المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية، بين الناس والتي
يحتويها القرآن والسنة، لم يقصد بها الدوام، وعدم التغيير،
ولم تكن إلا حلولاً مؤقتة، احتاج لها المسلمون الأوائل،
وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليس بالضرورة ملزمة لنا، ومن
حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل
والتغيير ما نعتقد أن الأحوال تستلزمه)
()
.
ومن الأحكام التي وردت النصوص بإثباتها تحديد المواقيت التي
يُحْرم منها الحاج والمعتمر، ولكنا نجد من يرى تغيير أو
تجاوز هذه المواقيت، بحجة تغير ظروف الزمان والمكان.
يقول الشيخ محمد الغزالي: (إن الاجتهاد في بعض الأحكام
العبادية ممكن، وقد صرت إلى هذا الرأي بعد ما قرأت رسالة
للفقيه المعاصر الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود عنوانها «جواز
الإحرام من جدة لركاب الطائرات والسفن البحرية » والعنوان
يشير إلى الموضوع، فإن مواقيت الحد حددتها السُنَّة، وقد جد
في عالم المواصلات ما لا معنى للتغابي عنه ... يقول الشيخ
الجليل: والحكم يدور مع علته، ولكل حادث حديث، ولن يعجز
الفقه الإسلامي الصحيح، الواسع الأفق عن إخراج حكم صحيح، في
تعيين ميقات يعترف به لحج هؤلاء القادمين على متون الطائرات،
لكون شريعة الإسلام كفيلة بحل مشكلات العالم ما وقع في هذا
الزمان، وما سيقع بعد أعوام .
وحاجة تعيين ميقات في جدة للقادمين على الطائرات، آكد من هذا
كله، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا، ويرى كثرة
النازلين من أجواء السماء إلى ساحة جدة، يؤمون هذا البيت
للحج والعمرة لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها، لكون
ذلك من مقتضى أصوله ونصوصه)
()
.
ومن الأمثلة على اجتهاد العقلانيين في أمور ثبت بالدليل
حرمتها، وغيروا الحكم فيها «مسألة التصوير لذوات الأرواح »
حيث قالوا بجوازها بحجة تغير الزمان، فهذا محمد عمارة يوضح
اجتهاده في هذه المسألة مستشهدًا بقول إمامه محمد عبده، ونحن
مقدمون على استعراض المأثورات والأحاديث النبوية، التي رويت
في هذا الموضوع، هي وجوب الاستحضار والتدبر للمناخ والبيئة
والإطار الذي قيلت فيه هذه الأحاديث، وذلك حتى ندرك فيها
ومنها المقاصد والعلل والحكم والغايات، فهي قد قيلت للمؤمنين
بالله الواحد، كانوا حتى الأمس القريب يعبدون الصور
والتماثيل، وهؤلاء المؤمنين كانوا محاطين بعبدة الصور
والتماثيل الذين لم يؤمنوا بعد ... وصُنَّاع النسيج والأوثان
والأدوات – وهم في الأساس من غير العرب – كانوا يزنون
مصنوعاتهم ومنسوجاتهم بصور الآلهة – (الأصنام) – ترويجًا لها
في البيئة الوثنية ... ومن هنا كان النهي عن هذه «الصور »
نهيًا عن الوثنية ودعوة إلى تنقية المنازل والأندية من صور
الأصنام المعبودة في الجاهلية، وسعيًا لاجتثاث جذور المرضى
الوثنى، وذلك حتى تبرأ هذه الجماعة البشرية تمامًا من الشرك
والتعددية، فتخلص العبودية لله وحده، وترسخ في قلوبها عقيدة
التوحيد)
()
.
ويقول: (وإذا كانت الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فإن
التحريم للتماثيل والصور سيصبح بداهة مرهونًا ومشروطًا
ومعللاً بمظنة اتخاذها أندادًا تشارك الله في الألوهية
والتعظيم، فإذا ما انتفى هذا السبب، وزالت هذه المظنة انتفى
التحريم، وعادت الإباحة حكمًا للصور والتماثيل، من جديد)
().
ويستشهد بموقف محمد عبده من التصوير قائلاً: (وفي العصر
الحديث: عندما شرعت مدرسة التجديد والإحياء الديني تزيل عن
الفكر الإسلامي غبار عصور الجمود والتراجع الحضاري –
المملوكية العثمانية – وجدنا واحدًا من أبرز مهندسي ذلك
التجديد، وهو الأستاذ الإمام محمد عبده ... يطرق هذا الباب
باجتهاده وتجديده، فيعلن مباركة الإسلام للفنون الجميلة،
منبهًا على دور فنون التشكيل – رسمًا ونحتًا وتصويرًا –
دورها النافع والضروري في تسجيل الحياة وحفظها، وفي ترقية
الأذواق والحواس والاقتراب بالإنسان من صفات الكمال !.. ثم
يأتي الأستاذ الإمام إلى القضية الشائكة والخلافية .. قضية
الإسلام من هذه الفنون وأصحابها، فيدلي بالقول الفصل في
فائدتها – ومن ثم حلها – وذلك لتغير الملابسات والمقاصد التي
دعت إلى نفور المسلمين منها في عصر البعثة النبوية، يوم كانت
الرسوم والصور والتماثيل إنما تتخذ كي تعبد من دون الله، أو
على الأقل كانت مظنة شبهة، لتعظيمها دينيًا، فكان أن نهى
عنها الرسول – عليه الصلاة والسلام - ... أما الآن وبعد زوال
الخطر بالكلية، وبعد أن لم تعد الرسوم والتماثيل مظنة شبهة
العبادة أو التعظيم الديني، وبعد أن وضحت وتأكدت منافعها في
ترقية أذواق الأمة، وحفظ حقائق تاريخها وعلومها، فإن رضاء
الإسلام ومباركته لها أمر لا شك فيه! .. )
()
.
وذكر أنه قال في مجلة المنار: (ربما تعرض مسألة عند قراءة
هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية، إذ
كان القصد منها ما ذكر، من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم
النفسية، وأوضاعهم الجسمانية؟ هل هذا حرام؟ أو مكروه؟ أو
مندوب؟ أو واجب فأقول: إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا
نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محى
من الأذهان... وما ورد من حديث « إن أشد الناس عذابًا يوم
القيامة المصورون »
()
. أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالحديث جاء في أيام
الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول:
اللهو. والثاني: التبرك بتمثال من ترسم صورته من الصالحين.
والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه،
والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا
زال هذان العارضان، وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة
تصوير النبات والشجر في المصنوعات)
()
.
ومن أبرز الأدلة التي يستشهد بها أصحاب هذا الاتجاه على
تغيير الأحكام الثابتة بالنصوص تبعًا لتغير الظروف، سهم
المؤلفة قلوبهم، ومنع خروج النساء إلى المساجد، وحد السرقة،
بالإضافة إلى استدلالهم بكلام ابن القيم عن تغير الفتوى
واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد .
الــرد
:
بعد أن بينا آراء أصحاب هذا الاتجاه في هذه القضية، وذكرنا
بعض الأمثلة، ومجمل الأدلة التي يبررون بها ما ذهبوا إليه،
أقول: إن ما ثبت حكمه بنصوص القرآن والسنة، فهو حكم دائم
وثابت لا يملك أحد تغييره، إلا بتشريع أعلى منه أو مساوٍ له،
ينسخ الحكم السابق، وهذا ممتنع بعد وفاة الرسول صلى الله
عليه وسلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: (ما
شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته « شرعًا لازمًا » إنما
لا يمكن تغييره، لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد
هذا؛ ولاسيما الصحابة، لاسيما الخلفاء الراشدون، وإنما يظن
ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال كالرافضة، والخوارج الذين
يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونهم، ولو قدر أن أحدًا فعل ذلك
لم يقره المسلمون على ذلك، فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات،
والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك)().
وإذا قلنا بهذا، فكيف غير الصحابة الحكم في مثل منع إعطاء
المؤلفة قلوبهم من الزكاة، وقد ثبت حقهم فيها يقول الله:
]
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء
وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
قُلُوبُهُمْ
[
[التوبة: 60]، وكذلك منع النساء من الخروج إلى المساجد، وقد
ثبت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله
مساجد الله »
()،
وعدم قطع عمر يد السارق في عام المجاعة والله تعالى يقول:
]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا
[
[المائدة: 38].
والجواب أن نقول: ما يتوهمه البعض أن هذا تغيير في الأحكام
الشرعية ليس بصحيح فالحكم الثابت عن الله، وعن رسوله صلى
الله عليه وسلم دائم لا يتغير، وإنما تطبيقه على الوقائع هو
الذي يمكن أن يتغير، لعدم تحقق شروطه التي اشترطها الشارع،
أو لعدم تحقق المناط كما يقول الأصوليون، وبتطبيق هذه
القاعدة على هذه القضايا، التي توهم البعض تغير الحكم فيها
يتضح الأمر .
أولاً : منع عمر – رضي الله عنه – إعطاء المؤلفة قلوبهم
سهمهم من الزكاة:
مَنْع عمر إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة، ليس إيقافًا
للحكم ولا نسخًا له، ولا أحد يملك ذلك بعد موت الرسول صلى
الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، (وإن غاية ما يقال أن النص
الذي جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم يحدد أشخاصًا بأسمائهم،
وإنما أعطى أناسًا بوصف معين هم «المؤلفة قلوبهم »، فمناط
الإعطاء إذن أنهم من المؤلفة قلوبهم. فإذا توافر هذا المناط
أعطوا، وإذا لم يتوافر لهم يُعطوا، ولا يقال في هذه الحالة
أن النص عُدِّل أو ألغي إذا وقف، إنما غاية ما يقال أن النص
لم يطبق لتخلف مناطه)
()
.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (وما شرعه النبي
صلى الله عليه وسلم شرعًا معلقًا بسبب، إنما يكون مشروعًا
عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب
والسنة. وبعض الناس ظن أن هذا نسخ، لما روي عن عمر: أنه ذكر
أن الله أغنى عن التآلف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر،
وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمن عن إعطاء المؤلفة
قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض
أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك)
()
.
ويؤكد هذا المعنى الشاطبي – رحمه الله – في قوله: (واعلم أن
ما جرى ذكره هنا من اختلاف في الأحكام، عند اختلاف العوائد
فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على
أنه « دائم أبدي »، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية
والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما معنى
الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي
يحكم به عليها كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التكليفي
مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه
التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس
باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في
الشواهد، وكذلك الحكم بعد الدخول، بأن القول قول الزوج في
دفع الصداق بناء على العادة وأن القول قول الزوجة بعد الدخول
أيضًا بناء على نسخ تلك العادة ليس باختلاف في الحكم، بل
الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل، فالقول قول بإطلاق،
لأنه مدي عليه وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع
أسبابها حيث كانت بإطلاق، والله أعلم)
()
.
ونخلص بعد هذا إلى أن اجتهاد عمر في هذه المسألة ليس فيها
معارضة للنص، ولا يجوز لمسلم أن يقول أن عمر أوقف حكم الآية
أو ألغاه .
ثانيًا : منع الصحابة النساء من الخروج إلى المساجد :
من الأدلة التي يستدل بها القائلون بتغير الأحكام حسب تغير
الظروف، حتى إن كانت ثابتة بالنصوص، ما حدث من الصحابة –
رضوان الله عليهم – من منع النساء من الذهاب إلى المساجد، مع
ثبوت الإذن لهن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كانت
عائشة – رضي الله عنها – ممن قال بالمنع قائلة « لو أدرك
رسول الله ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد »
()
.
يقول محمد سليم العوا عن الإذن للنساء بالخروج إلى المساجد:
(ولو كان هذا شرعًا دائمًا لما ساغ لعائشة مخالفته، وإنما
كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة التي ما بعث الله
الرسل في أي أمة كانوا إلا لتحقيقها فأينما تبين وجهها فشم
شرع الله ودينه)
()
.
ونقول جوابًا على هذا، إن ما حدث من الصحابة ليس إيقافًا
للحكم الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما كان المنع
لعدم تحقيق المناط، فالشرط أن يخرجن غير متزينات.
ذكر النووي – رحمه الله-: (شروط العلماء في خروج النساء بأن
لا تكون متطيبة ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا
ثياب فاخرة ولا مختلة بالرجال)
()
.
حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تمنعوا إماء
الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات »
()
، ومعنى تفلة: أي غير متطيبة .
فتتحقيق المناط يكون (هل هذه المرأة تفلة فتخرج أو غير تفلة
فلا تخرج. وهذا وإن تغير فليس هو الحكم، وإذا تبين هذا سقطت
دعوى من يعتمد على هذه الآثار في القول بتغير الأحكام بتغير
الزمان)
()
.
وعائشة – رضي الله عنها – في قولها بالمنع يكون استنادًا إلى
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها علمت أن الإذن بالخروج
منها بأمر معين، وهو أن يكون الخروج لمصلحة، وليس لفتنة أو
مفسدة
()
.
ثالثًا: إيقاف عمر لحد السرقة عام المجاعة :
يعتبر العقلانيون إيقاف عمر لحد السرقة الثابت بنص القرآن
دليلاً على شرعية تغير الأحكام بتغير الظروف، يقول معروف
الدواليبي: (اجتهاد عمر – رضي الله عنه – عام المجاعة في وقف
تنفيذ حد السرقة على السارقين وهو قطع اليد ... وفي هذا
تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن عملاً بتغير الظروف
التي أحاطت بالسرقة)
()
.
والجواب أن نقول: الحد الذي أوقفه عمر ليس تغييرًا للحكم
الشرعي، وإنما أوقفه لعدم تحقق شروطه
()،
والتي منها ألا يكون أخذ السارق لسد رمقه يقول ابن حزم: (من
سرق من جهد أصابه، فإن أخذ مقدار ما يغيث به نفسه فلا شيء
عليه)
()
.
ويقول ابن القيم – رحمه الله-: (فإن السنة إذا كانت سَنَة
مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم
السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه – وهذه شبهة قوية
تدرأ القطع عن المحتاج وهي أقوى من كثير من الشبه التي
يذكرها كثير من الفقهاء)
()،
ولو قام عمر بتنفيذ هذا الحد، بدون تحقق شروطه لكان هذا
مخالفة شرعية.
(فالعموم في آية السرقة لا يصلح وحده لتطبيق الحد بل هناك
شروط وردت في السُنة لابد من اعتبارها، ومن اعتبرها – كما هو
صنيع عمر – لا يقال له أنه خالف الآية)
().
( المرجع : الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين
المعاصرين ، سعيد الزهراني ، 2/640-648).
|