|
يعتبر سيد أحمد خان ومحمد عبده هما أول من أظهر الروح
الانهزامية أمام الأعداء المستعمرين، وليت الأمر منهما – على
خطورته – وقف عند القول بأن الجهاد دفاع فقط ولكن مما لا
تهما للمستعمرين في بلديهما يعبر عن
إماتتهما لروح الجهاد،
حتى الدفاع منه، ولذلك لم يبق معنى للجهاد إلا للدفاع عن
النفس عند سيد أحمد خان الذي (يرى أن الجهاد يشرع فقط للدفاع
عن النفس، وفي حالة واحدة فقط هي اعتداء الكافرين على
المسلمين من أجل حملهم على تغيير دينهم، أما إذا كان
الاعتداء من أجل أمر آخر مثل احتلال الأراضي، فالجهاد غير
مشروع)
()
.
ويقرر محمد عبده أن الجهاد دفاعي فيقول: (فقتال النبي صلى
الله عليه وسلم كله كان مدافعة عن الحق وأهله، وحماية لدعوة
الحق، ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال وإنما تكون
الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا مُنعنا من
الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل، فعلينا أن نقاتل
لحماية الدعاة ونشر الدعوة، لا للإكراه على الدين فالله
تعالى يقول:
(
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
الْغَيِّ)
[البقرة: 256]، ويقول:
(
أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
)
[يونس: 99]، وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو
يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين، فالله تعالى لا
يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولا لأجل
الطمع في الكسب .
ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة،
ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان. فالروم
كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة
الإسلام، ويؤذونهم وأولياؤهم من العرب المتنصرة، ومن يظفرون
به من المسلمين، وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم، فقد
مزقوا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوا دعوته وهددوا
رسوله، وكذلك كانوا يفعلون، وما كان بعد ذلك من الفتوحات
الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام
الدين، فإن من طبيعة الكون أن بسط القوي يده على جاره
الضعيف، ولم تعرف أمة قوية أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من
الأمة العربية شهد لها علماء الأفرنج بذلك .
وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية
الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك أنه يحارب للدين، أن
يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب
حال العصر وعلومه، ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من
العدوان، ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق
الاستعداد لحمايتهم يعرف، ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا
العصر .
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلامي – حتى من
المنتمين إليه – من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول
الجاهلين المتعصبين أنه ليس دينًا إلهيًا لأن الإله الرحيم
لا يأمر بسفك الدماء، وأن العقائد الإسلامية خطر على المدنية
– فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين)
()
.
وعند تفسير قوله تعالى:
(
حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
)
[التوبة: 29]، يقول رشيد رضا: (هذه غاية للأمر بقتال أهل
الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا، أي قاتلوا من ذكر عند
وجود ما يقتضي وجوب القتال، كالاعتداء عليكم أو على بلادكم،
أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم ...
)
()
.
وممن يرجح أن الجهاد شرع للدفاع فقط عبدالوهاب خلاف الذي
يقول: (والنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم، القائلين بأن
الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على المسالمة والأمان،
لا على الحرب والقتال، إلا إذا أريدوا بسوء، لفتنتهم عن
دينهم أو صدهم عن دعوتهم، فحينئذ يفرض عليهم الجهاد دفعًا
للشر، وحماية الدعوة وهذا بين في قوله تعالى في سورة
الممتحنة المدنية:
(
لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن
دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ
)
[الممتحنة، 8، 9]، وقوله تعالى في سور النساء المدنية:
(
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ
إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سَبِيلاً
)
[النساء:90]، وقوله في سورة الأنفال المدنية:
(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ
عَلَى اللّهِ
)
[الأنفال: 61]، وفي كثير من آي الكتاب وأصول الدين ما يعزز
هذه الروح السليمة، ويبعد أن يكون الإسلام أسس علاقات
المسلمين بغيرهم على الحرب الدائمة، وأن يكون فرض الجهاد
وشرع القتال على أنه طريق الدعوة إلى الدين، لأن الله نفى أن
يكون إكراه على الدين، وأنكر أن يُكره الناس حتى يكونوا
مؤمنين، وكيف يتكون الإيمان بالإكراه ويصل السيف إلى القلوب.
إن طريق الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله وحده هي الحجة لا
السيف، ولو أن غير المسلمين كفوا عن فتنتهم، وتركوهم أحرارًا
في دعوتهم ما شهر المسلمون سيفًا ولا أقاموا حربًا)
()
.
ويختار عبدالخالق النواوي القول بأن الجهاد في الإسلام دفاعي
ويقول: (وبهذا الاختيار نكون قد تخلصنا مما يوصم به الإسلام
في نظر خصومه، إذ يقولون: إن الإسلام كالبلشفية خطر على
المدنية تجب محاربته ... ويستطردون بأن الإسلام ليس دينًا
إلهيًا في نظرهم لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء)
()
.
والدكتور محمد أبو زهرة يعتبر (الأصل هو السلْم، وأن الحرب
من إغراء الشيطان)
()
ويرى أن القتال للدفاع فقط فيقول: (نجد نصوص القرآن كلها
تتجه إلى بيان أن القتال المطلوب هو دفع قتال المشركين قال
تعالى:
(
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190]، ونجد الآية التي تبيح قتال العرب كافة تنص
على أن ذلك في مقابل اعتدائهم كافة على المسلمين قال تعالى:
(وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ
)[التوبة: 36])
().
والشيخ محمد الغزالي يرى أن الجهاد دفاع لا هجوم، ويرد حديث:
«بعثت بالسيف بين يدي الساعة »
()،
ويحاول أن ينفي ما يثار من أن الإسلام انتشر بالسيف، ومما
قال: (.... وما من شك في أن الجهاد حق لتأمين الدعوة وهزيمة
الفتانين؟
فأما تصوير الإسلام بأنه يتحرش بالآخرين ويتعطش لدمائهم، فهو
افتراء على الله والمرسلين، ومع أننا أشبعنا هذا الموضوع
بحثًا في كتبنا الأخرى فإن الحاجة إلى الكلام فيه لا تزال
ماسة ... ، وفي هذا الآونة استخرج البعض حديث: «بعثت بالسيف
بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار
على من خالف أمري .. ».
قلت: والكلام للغزالي – ليت لكم سيفًا يحمي الحق، ويرد عنه
العوادي! فإن الحق يغرق وليس له صريخ! ... ما لكم ولهذا
الحديث؟ قال لي غلام متعالم: إنه يردّ كل ما تقول...!
قلت: سأتجاوز عن ضعف هذا الحديث من ناحية سنده، ولن أطعن في
صحته – مع أن الطعن وارد – ولكن اسأل : لماذا لا تتعلمون
الدين وتحسنون فقهه والعمل به، ثم تحسنون الدعوة إليه؟ عندما
يراكم العالم أدنى مستوى منه فلن يسمع منكم ولن يرتضيكم قادة
له، لا يجوز أن يكون الإمام أجهل من المأموم ... ! )
()
.
ثم يقول: (... ولم تبدأ سياسة العصا الغليظة إلا بعد أن
أوجعت عصى الأعداء جلود المؤمنين، وكسرت عظامهم. هنا نزل
قوله تعالى:
+
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"
[الحج: 39])
()
.
ومما يوضح موقف الغزالي من الجهاد أيضًا كلامه في كتابه «
الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر » إذ يقول: (ومع
وضوح المنهج الإسلامي في الدعوة، فإن دخانًا كثيفًا انطلق في
جوه، وما نلوم المبشرين والمستشرقين فيما اختلقوا من إفك،
وإنما نلوم نفرًا من الناس لبس أزياء العلماء. وهم سوقة،
وانطلق في عصبية طائشة يزعم أن الإسلام يمهد لحرب الهجوم
وينشر دعوته بالسيف ... )
()
.
ويحاول أن يرد ما يقال عن أن من الجهاد ما يكون هجومي فيقول:
(كيف يصف عاقل اعتراض المسلمين أهل مكة بأنه حرب هجومية،
ويسكت بغباء عن أن مكة حظرت الإسلام في أرضها، وطردت أهله
واعتقلت بعد ذلك كل من يدخل فيه، هل حرب هؤلاء عدوان؟
وكتب مسكين آخر يقول: إن الحرب عندنا هجومية، وأن الرسول صلى
الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون. أي باغتهم
دون دعوة ودون انتظار إيمان، ودون إتاحة أية فرصة للنجاة.
وهذا كذب قبيح، وجهل غليظ، فإن الرسول الكريم حارب القوم
بعدما أعدوا له وتهيأوا للنيل منه.. وكتب مغفل آخر يزعم أن
الحرب ضد هوازن وثقيف كانت هجومية وما فكر في قراءة الجموع
التي حشدها زعيم المشركين، والقوى التي دبرها لضرب الإسلام
بعد فتح مكة .
إن هناك ناسًا يغلب عليهم القصور العقلي، ولكن لديهم جراءة
على إرسال الأحكام البلهاء بثقة العباقرة! وقد أصاب الإسلام
شر كبير من هؤلاء المنتسبين إليه الجاهلين به وبتاريخه، فقد
جروا عليه تهمًا منكرة)
()
.
ويقول أيضًا: (وهناك شبهة ضعيفة ولكن الإجابة عنها مهمة
جدًا، فقد ذكر البعض حديث: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا
بحقها وحسابهم على الله » .
وظاهر الحديث أن الإسلام دين هجوم لنشر التوحيد .
ونقول: هذا الظاهر باطل، وسبب الخطأ في فهم الحديث كلمة
«الناس » التي وردت فيه، أنها لأول وهلة تغني العالم أجمع،
.... والحديث يتناول ناسًا معينين، ونقضوا كل عهد، ورفضوا كل
حرية، وكرسوا جهودهم وثرواتهم للقضاء على الإسلام ورجاله..)
().
ويقول تحت عنوان « ما يسمونه آية السيف »: (لا يوجد ما يسمى
آية السيف! هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام، وفي
مقاتلهم أحيانًا لأسباب لا يختلف المشرعون قديمًا وحديثًا
على وجاهتها، وعلى أنها تنافي الحرية الدينية في أرقى
المجتمعات)
()
.
ويقول: (سمعت من يحتج بالآية:
(
وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً
)
[التوبة: 36]، فقلت له: ألا تكملها؟ أليس بعدها:
(
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً)
[التوبة: 36]، فأنى في الآية الدعوة إلى الهجوم، وإعمال
السيف في الناس)
().
ويقول أيضًا: (إن الإسلام لم يحارب الكفر لأنه كفر، بل لأنه
ضم إلى عجوه الفكري جملة من الآفات الأخلاقية، والمسالك
العدوانية لا يجوز قبولها، ولا يصبر حرُّ عليها!)
().
وبعد أن يورد الغزالي الآية:
(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ
وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن
تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ
)
[التوبة: 13]، يقول: (في أي لفظ من هذه الألفاظ تشم رائحة
الهجوم والتعديّ ؟
إنها استثارة للدفاع وحسب! وعندما يأمر بالقتال يذكّر
بمآسيهم السابقة وما تركوه في القلوب من جراحات ... قال
تعالى:
(
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ
قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
"
[التوبة: 14، 15].
ممن يكون شفاء الصدور وذهاب الغيظ؟ لا شك أن هؤلاء الناس
تركوا في نفوس المؤمنين جراحات لا تندمل، غرّبوهم، وقتلوا
أحبتهم، وضنّوا عليهم بكل حق، وظلوا على هذه الحال ثنتين
وعشرين سنة يتربصون بالمسلمين، ويقلبون لهم الأمور ...
أعطيناهم حق الحياة بكفرهم، وأبوا أن نعيش بإيماننا! قلنا
لهم: لكن دينكم ولنا ديننا فقالوا: ليس لكم إلا الموت.
أولئك هم الذين برئت منهم ذمة الله ورسوله، وأولئك الذين نزل
فيهم:
(فَإِذَا
انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ
)
[التوبة: 5]، بأي عقل يأتي مفسِّر فيقول: المقصود بهذه الآية
كل كافر على وجه الأرضَ أساء أم أحسن! وفّى أم غدر! ظلم أو
أنصف! ثم يطلق على هذه الآية المحددة: آية السيف! ويلغي بها
مائة آية في العرض الهادئ والجدال الحسن والوعظ البليغ!! ثم
تظهر في عصرنا الأسود طوائف من الشباب الأغرار تحمل العصي،
وتزعم أن الإسلام دين هجوم، وتريد أن تقاتل روّاد الفضاء)
()
.
ويجيب حسن الترابي في ندوة تلفزيونية عن النصوص التي تحث على
الجهاد وترغب فيه ومنها قوله تعالى:
(
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
)
[التوبة: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: « الخيل معقود
بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم »
()
.
ويقول في الجواب: (القول بأن القتال حكم ماض، هذا قول تجاوزه
الفكر الإسلامي الحديث في الواقع الحديث، ولا أقول إن الحكم
قد تغير، ولكن أقول: إن الواقع قد تغير، هذا الحكم عندما ساد
كان في واقع معين، وكان العالم كله قائمًا على علاقات
العدوان، لا يعرف المسالمة، ولا الموادعة، كانت امبراطوريات،
إما أن تعدو عليها، أو تعدو عليك)
().
ويطيل فهمي هويدي الحديث في محاولة تبرئة الإسلام من القول
بأن الجهاد فيه جهاد طلب وابتداء، ويستدل بعدد من الآيات
التي تدعو إلى السلم من مثل قول الله تعالى:
(
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ
كَآفَّةً
)
[البقرة: 208]ن وقوله جل وعلا:
(
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ
عَلَى اللّهِ
)
[الأنفال: 61]، وقوله:
(
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190]، ... الخ ويقول بعد ذلك: (... ويتفق مع هذا
السياق قول الله سبحانه وتعالى:
(
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ
)
[البقرة: 216]، أي أنه أمر تفرضه عليكم عداوات الآخرين
وظلمهم لكم، عليكم أن تقبلوه مضطرين)
()
.
فهو يرى أن الجهاد دفاع فقط، والإسلام لا يعتمد القتال وسيلة
للتبليغ، ولا يكون إلا لأمر اضطراري، يقول: (ومنذ البداية،
سلح الله المسلمين بالكلمة، وكان أول ما أنزل الله على نبيه
هو: «اقرأ – وليس اضرب » أو «ابطش »، وكان كتاب المسلمين هو
القرآن الكريم، ولم يكن سلاح المسلمين سيفًا ولا سوطًا، ولم
تكن شريعتهم قانون حرب، والأمر كذلك فإن القتال في التصور
الإسلامي ينبغي أن يظل منعطفًا يكره إلى المسلمون أو نوعًا
من «الهبوط الاضطراري » الذي يعترض المسار الطبيعي لرحلة
التبليغ الإسلامية)
().
وعند حديثه عن الحرب المشروعة إسلاميًا يقول: (يرى الشيخ
رشيد رضا أن الحرب الإسلامية تحكمها عدة قواعد :
القاعدة الأولى: أن الأمر بالقتال ورد في سياق الرد على
عدوان المعتدين درءًا للمفاسد وتوطيدًا لمصالح المسلمين، وأن
هذا الأمر جاء مقترنًا بالنهي عن قتال الاعتداء والبغي
والظلم، وهو ما يشهد عليه قوله تعالى:
(
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190].
القاعدة الثانية: أن تكون الغاية الإيجابية من القتال بعد
دفع الاعتداء والظلم واستتباب الأمن، هي حماية الأديان كلها
من الاضطهاد فيها أو الإكراه عليها، وعبادة المسلمين لله
وحده، وإعلاء كلمته وتأمين دعوته وتنفيذ شريعته )
()
.
وبعد ذلك يحاول أن يعلل قيام الغزوات التي قام بها الرسول
صلى الله عليه وسلم وحروب الإسلام الأولى، ويقول بأن أعداء
الإسلام هم الذين أشعلوا نارها، وأطاروا شرارها، وما كان من
المسلمين إلا أنهم قبلوا التحدي، وردوا التعدي. وكان تتابع
الفتوح بحكم الضرورات الحربية وحدها، وما كان جهاد المسلمين
إلا ليؤمنوا دولتهم
()
.
ويحاول فهمي هويدي أن يرد دلالة الأحاديث الصريحة في الأمر
بالجهاد، فبعد أن يورد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله ... »، يقول: (وحقيقة الأمر أن المعنى
بالناس هنا ليس كل البشر، وإنما هم جماعة من البشر)
().
أما عن حديث: « ٍبعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله
تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل
والصغار على من خالف أمري » فيشكك أولاً في صحته، ثم يقول:
وفي شرح معاصر للحديث أنه يعني: أن سيف الإسلام حاضر للقتال
في سبيل الله، كلما دُعي إلى ذلك، وأن مصير الشرك والوثنية
هو الهزيمة والامتثال لأحكام الله وتعاليمه. وأن الشق الأخير
المتعلق بالغنائم خاص برسول الله الذي أبيح له أن يأخذ
نصيبًا منها، وهذا الحديث يفهم خطأ إذا عزل عن الموقف
الإسلامي الأصيل من قضية الحرب والسلم، الذي تحدده نصوص
القرآن الكريم بالدرجة الأولى، وهي النصوص القاطعة في منع
العدوان وإشاعة السلام، وفي كل الأحوال، فينبغي أن يوضح في
إطار الإعلان عن القوة التي تحمي الحق، وتصد عنه كل عدوان .
والمنطلق الذي ينبغي أن نقرأ به هذا الحديث النبوي، هو ذاته
الذي ينبغي أن نفهم به عبارة السيد المسيح في الإصحاح العاشر
من إنجيل متى: « ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا » إذ لا يمكن
أن يزعم زاعم أنها دعوة لقتال العالم، ومخاطبته بالسيف، وهو
ما تقطع بكذبه التعاليم الأساسية للديانة المسيحية. وإنما
يقضي الإنصاف أن نستقبل هذه العبارة باعتبارها تلويحًا من
جانبه بأن القتال في سبيل الدفاع عن العقيدة يظل واردًا إذا
لزم الأمر)
().
ويرى محمد عمارة أن الجهاد في الإسلام دفاعي، وهو سبيل يلجأ
إليه المسلمون عند الضرورة، أما القول بأن المسلمين مطالبون
بقتال مخالفيهم في الدين حتى يؤمنوا بالإسلام فيرى أنها شبهة
أصبحت عالقة بسماء الفكر في عالم الإسلام يجب تبديدها،
وتبرئة الفكر منها.
ويستدل بقوله تعالى:
(
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190]، ويعلق بقوله: (فالمطلوب هنا ليس قتال
المخالفين لنا في الدين، وإنما قتال « الذين يقاتلوننا » من
بين هؤلاء «المخالفين » فحكمة القتال وسبب هما «قتال » هؤلاء
المخالفين لنا، و «عدوانهم » علينا، وليس مجرد «الخلاف لنا
في الدين »! ذلك أن الإسلام لا ينهى، فقط عن مقاتلة
المخالفين لمجرد الاختلاف الديني معهم، بل إنه يدعو إلى
مودتهم والقسط إليهم طالما لم يقاتلونا في الدين! فإن هم
قاتلونا، واعتدوا علينا، وانتهكوا الحرمات، وجب علينا
قاتلهم)
()
.
ويرى دلالة الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
إلا الله.. الحديث » بقوله: (أما هذا الحديث، والذي يبدوا
للعامة وأنصاف المثقفين ثقافة إسلامية، من ظاهر ألفاظه، أنه
يدعو إلى مقاتلة المخالفين في الدين، حتى يثوبوا إلى عقيدة
التوحيد.. فإن الفقه الحق لمعناه يتطلب ما هو أكثر من النظر
العابر لظاهر الألفاظ !
فالمراد «بالناس » الذي أمر الرسول بقتالهم: « المشركون » من
العرب أولئك الذين كانوا يمنعون، بالفتنة والعدوان، دعوة
الإسلام من أن تتخذ لنفسها القاعة الآمنة التي ينطلق منها
الدعاة)
()
.
والقاعدة عنده تتبين من قوله: (فالذين يكفون الأيدي عن
قتالنا ويلقون حبال السلام إلى عالم الإسلام وأهله، لا سبيل
لنا عليهم، أما «المنافقون » الذين لا يكفون أيديهم عن قتال
المسلمين، فإن « السلطان » الذي قرر الله لنا عليهم يدعونا
إلى قتالهم، ردًا للعدوان، وتأمينًا لعالم الإسلام وحريات
المسلمين ... « فالعدوان » أو «المسالمة » هو المعيار، ليس
«النفاق » ولا الخلاف في الدين)
()
.
وفي ختام كلامه يقول: (والقتال في الإسلام سبيل يلجأ إليها
المسلمون عند الضرورة.. ضرورة حماية الدعوة، وتأمين الحرية
للدعاة، وضمان الأمن لدار الإسلام وأوطان المسلمين. سان كان
ذلك القتال «دفاعيًا تمامًا » أو «مبادأة » يجهض بها
المسلمون عدوانًا أكيدًا أو محتملاً ... فهو في كل الحالات
ضد للعدوان.. أما إذا جنح المخالفون إلى السلم، وانفتحت
السبل أمام دعوة الإسلام ودعائه، وتحقق الأمن لدار الإسلام
فلا ضرورة للحرب عندئذ، ولا مجال للحديث عن القتال، باسم
«الدنيا » كان ذلك الحديث أو باسم «الدين »)
()
.
الــرد
:
من هذا العرض لأقوال هؤلاء المفكرين عن الجهاد، يتبين موقفهم
الانهزامي أمام شبه أعداء الإسلام، القائلين بأن الإسلام لم
ينتشر إلا بالسيف، وأنه دين العنف والإرهاب، فأراد هؤلاء
المفكرون أن ينفوا مثل هذه الشبه، ويدافعوا عن سمعة الإسلام،
فوقعوا في المصيدة التي نصبها لهم الأعداء، وقالوا أن الجهاد
في الإسلام لم يشرع إلا للدفاع، وأن معارك الإسلام جميعها لم
تتخط هذه الغاية، وبذلك حصروا الحكم في أن الجهاد لا يكون
مشروعًا إلا للدفاع عن المسلمين، والأرض الإسلامية، وأبطلوا
الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، من أن
من الجهاد ما هو جهاد طلب وابتداء، وهو أن يُطلب الكفار في
عقر دارهم، ويقاتلون إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام .
وهذا الحكم الذي قال به هؤلاء المفكرون، يتبين بطلانه بأمور
منها :
1 – إن النصوص التي استدلوا بها على أن الجهاد دفاعي فقط، من
مثل قوله تعالى:
(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)[البقرة: 190]، وقوله تعالى:
(
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ
مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
)
[البقرة: 194]، وقوله تعالى:
(
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ
إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سَبِيلاً
)[النساء: 90].
أقول أن استدلالهم بهذه الأدلة استدلال في غير محله، ولا
يختلف عن من استدل بقوله تعالى للمؤمنين في مكة :
(كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ
)
[النساء: 77]، على حرمة القتال في كل زمان، وهذا ما لا يقول
به أحد من المسلمين. لأن هذه الآيات التي استدلوا بها نزلت
في المرحلة الثالثة من المراحل التي شرع فيها القتال
()،
وفيها فرض قتال من قاتل المسلمين فقط. ثم تلا ذلك النصوص
التي وضعت الأحكام النهائية في المرحلة الرابعة والأخيرة،
وفيها فرض الجهاد لمقاتلة المشركين كافة، وأن يقاتلوا أهل
الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذه
المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع
من الهجرة، ومن أدلتها قوله تعالى:
(
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن
تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ
فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
)
[التوبة: 5].
يقول الشيخ عبدالرحمن الدوسري – رحمه الله-: (إن قتال الكفار
على العموم واجب بالنصوص القطعية من وحي الله كتابًا وسنة،
وهذا القتال واجب للهجوم لا للدفاع. كما تصوره بعض المنهزمين
هزيمة عقلية، باسم الدفاع عن تشويه سمعة الإسلام والذين
اشتبهت عليهم معاني النصوص التي يفيد بعضها الخصوص فأعمتهم
هزيمتهم العقلية أو الهوى عن النظر في العمومات الصارفة
الناسخة لما قبلها، لكونها عامة ومتأخرة، قال الله سبحانه
وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ
يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ
غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
)
[التوبة: 123]، وقال:
(
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن
تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ
فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
)
[التوبة: 5]، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا
ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على
الله ». وغير ذلك من النصوص الواضحة التي لا نطيل بها المقام
ولكن المهزومين وأصحاب الهوى يضربون صفحًا عن هذه النصوص
القاطعة العامة، الناسخة لما قبلها لتأخرها في النزول،
ويتمسكون فقط بقوله تعالى:
(
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190]، كما يأخذون التعليل بآية الإذن في الجهاد،
غافلين أو متغافلين أن مشروعية القتال جاءت في القرآن على
مراحل)().
ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – رادًا على من
استدل ببعض الآيات على أن الجهاد للدفاع فقط: (... وقد تعلق
القائلون بأن الجهاد للدفاع فقط بآيات ثلاث: الأولى قوله جل
وعلا:
(
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
)
[البقرة: 190]، والجواب عن ذلك أن هذه الآلية ليس معناها
القتال للدفاع، وإنما معناها القتال لمن كان شأنه القتال:
كالرجل المكلف القوي، وترك من ليس شأنه القتال: كالمرأة
والصبي ونحو ذلك، ولهذا قال بعدها:
(
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلّهِ
)
[البقرة: 193]، فاتضح بطلان هذا القول، ثم لو صح ما قالوا،
فقد نسخت بآية السيف وانتهى الأمر بحمد الله .
والآية الثانية التي احتج بها من قال بأن الجهاد للدفاع هي
قوله تعالى:
(
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
[البقرة: 256]، وهذه لا حجة فيها، لأنها على الأصح مخصوصة
بأهل الكتاب والمجوس وأشباههم، فإنهم لا يكرهون على الدخول
في الإسلام إذا بذلوا الجزية، هذا هو أحد القولين في معناها.
والقول الثاني أنها منسوخة بآية السيف، ولا حاجة للنسخ بل هي
مخصوصة بأهل الكتاب، كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة
والسلف، فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم فلا يكرهون إذا أدوا
الجزية، وهكذا من الحق بهم من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية
فلا إكراه، ولأن الراجح لدى أئمة الحديث والأصول أنه لا يصار
إلى النسخ مع إمكان الجميع وقد عرفت أن الجمع ممكن بما
ذكرنا. فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا كما دلت عليه الآيات
الكريمات الأخرى. والآية الثالثة التي تعلق بها من قال أن
الجهاد للدفاع فقط قوله تعالى في ســـورة النساء:
(
فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً
)
[النساء: 90]، قالوا من اعتزلنا وكف عنا لم نقاتله. وقد عرفت
أن هذا كان في حال ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة.
ثم نسخت بآية السيف وانتهى أمرها أو أنها محمولة على أن هذا
كان في حالة ضعف المسلمين، فإذا قووا أمروا بالقتال، كما هو
القول الآخر كما عرفت وهو عدم النسخ، وبهذا يعلم بطلان هذا
القول، وأنه لا أساس له ولا وجه له من الصحة ... )
()
.
2 – القول بأن الجهاد دفاعي فقط، دعوى تدل على الجهل بطبيعة
الشر وأهله، فقد أخبر الله وهو أعلم بخلقه بنوايا المشركين
تجاه المسلمين، في مثل قوله:
(
وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن
دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ
)
[البقرة: 217]، وقوله تعالى:
(
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى
تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
)
[البقرة: 120]، وقوله:
(
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ
أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم
مَّيْلَةً وَاحِدَةً
)
[النساء: 102] .
وإذا كانت هذه نوايا أهل الكفر تجاه المسلمين، «فكيف يجوز أن
يدعى بأن الجهاد في الإسلام لم يشرع إلا عندما يهجم أعداء
الإسلام على دار الإسلام، أو على المسلمين، مع أن الله
أخبرنا أنهم فاعلون ذلك إن عاجلاً أو آجلاً، وأنهم لا
يسالمون إلا وفي نيتهم منازلة المسلمين عندما تتاح لهم الفرص
والظـــروف؛ يؤيد هذا ما أخبر به عز وجل من أن المشركين لا
عهد لهم ولا أيمان، فقال سبحانه:
+
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ
رَسُولِهِ
"
، إلى قوله تعالى:
(
فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ
لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
)
[التوبة: 7-12])
()
.
يقول سيد قطب – رحمه الله -: « ... إن الله سبحانه يعلم أن
الشر متبجح، ولا يمكن أن يكون منصفًا، ولا يمكن أن يدع الخير
ينمو مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة، فإن مجرد نمو
الخير يحمل الخطورة على الشر، ومجرد وجود الحق يحمل الخطر
على الباطل، ولابد أن يجنح الشر إلى العدوان، ولابد أن يدافع
الباطل عن نفسه، بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة، هذه جبلة
ولبست ملابسة وقتية، هذه فطرة وليست حالة طارئة، ومن ثم لابد
من الجهاد، لابد منه في كل صورة، ولابد أن يبدأ في عالم
الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود، ولابد
من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح، ولابد من لقاء الباطل
المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة، وإلا كان الأمر
انتحارًا أو كان هزلاً لا يليق بالمؤمنين)
()
.
3 – ومما يرد به على من زعم أن الجهاد دفاعي فقط أن يقال هذه
الدعوى تناقض الواقع الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه
وسلم، وواقع الخلفاء الراشدين، فما كان صلى الله عليه وسلم
يقنع بفرع راية الإسلام على بقعة من الأرض فقط، ولو صح ما
يدعيه هؤلاء المفكرون لاكتفى صلى الله عليه وسلم بفتح مكة،
وتأديب كفار قريش، ولما كانت الفتوحات الإسلامية في عهد
الخلفاء حتى عمت دعوة التوحيد ودولة الإسلام أقطار شتى .
والذي يتدبر الحوار الذي دار بين مجاهدي الإسلام من جهة،
وبين كسرى ورستم من جهة أخرى أثناء الفتوحات الإسلامية، لا
يجد في كلام المجاهدين ما يشير إلى أنهم جاءوا ليدافعوا عن
أنفسهم وأراضيهم، أو يؤدبوا قومًا اعتدوا عليهم ثم يرجعوا
عنهم، وإنما يجد في كلامهم ما يدل على سمو رسالتهم، ونبل
أهدافهم التي عبروا عنها بقولهم (الله ابتعثنا لنخرج من شاء
من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى
سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ... فأرسل رسوله
بدينه إلى خلقه، فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه
وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر)
()
.
( المرجع : الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين
المعاصرين ، سعيد الزهراني ، 2/711-726).
|