|
قال الدكتور هزاع الحوالي : تحت مبحث (مزالق المتصدين
للفتوى في عصرنا)
:
أورد الدكتور يوسف القرضاوي مجموعةً من تلك
المزالق، ذكر منها : " الجمود على الفَتاوَى القديمة دون
مراعاة الأحوال المتغيرة ".
ويعني بها الجمود على ما سُطِّر في كتب الفقه، أو كتب
الفتاوَى القديمة، والإفتاء بها دون مراعاة لظروف الزمان
والمكان والعُرف والحال، وهي أمورٌ تتطور وتتغير..
ثم استعرض مجموعةً من الأمثلة على ذلك كالإصرار على ثُبوت
الهلال بالعين المجردة، وعدم قبول شهادة من يحلق ذقنه...إلخ
وأكد على ضرورة ملاحظة المفْتِي في فتواه الظروف الشخصية
للمُسْتَفْتِي- نفسية أو اجتماعية – والظروف العامة للعصر
والبيئة.
وكغيره من المقررين لقاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان
يستشهد بما ذكره ابن القيم في هذه المسألة – وستأتي في
المناقشة- مشيراً إلى أن كلمات ابن القيم في تغير الأحكام
بتغير الأزمنة... قد أصبحت مناراً يَهْتَدِي به السائرون ،
ويُنَوِّه به المصلحون المعاصرون، وكل من حاول الإسهام في
تجديد الفقه الإسلامي ، وإحياء العمل بالشريعة الإسلامية.
وكذلك يستشهد بما أورده القرافي في كتابه الإحكام ، إذ يقول
:«إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك
العوائد: خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في
الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى
ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من
المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد
فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير
استئناف اجتهاد»([1]).
استشهد الدكتور القرضاوي بالنص المتقدم- مع اختلاف بعض
الكلمات عن المصدر- ولاحظ فيه أن الأحكام التي تتغير هي تلك
الأحكام التي مدركها ومستندها العوائد والأعراف، لا النصوص
المحكمات.
ومع أن النص السابق قيد الأحكام المتغيرة بالمُسْتَنِدَةِ
للعوائد والأعراف فقط، دون النصوص ، إلا أن القرضاوي لم
يُخْرِج سِوَى النصوص المحكمات، والتي يُفَسِّرها بالقطعيات،
([2])
مما يُفْهَمُ منه إدخال النصوص ظنية الدلالة تحت المتغير عند
القرضاوي.
وبعد إيراده لنص القرافي المتقَدِّم، وإيرادِهِ لتلك
الملاحظة عليه، استشهد بنصٍ آخر يُفْهُم منه شُمول التغيير
لمجال أوسع من الأحكام، هذا النص هو قول القرافي :«فمهما
تجدد من العرف اعْتَبِرْه، ومهما سقط أسْقِطْه، ولا تَجْمُد
على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير
إقليمك يستفتيك، لا تخبره على عُرْفِ بلدك، واسأله عن عُرْف
بلده، وأجْرِهِ عليه، وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك،
والمُقَرَّرِ في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على
المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجَهْلٌ بمقاصدِ علماء
المسلمين والسلف الماضين»([3])
لِيَسْتَنْتِجَ القرضاوِيُّ من هذا النص أن القانون الواجب
على أهل الفقه والفتوى مراعاته على طول الأيام، هو ملاحظة
تغير الأعراف والعادات بتغير الأزمان والبلدان([4]).
وليست هذه الملاحظة هي المقصودة، إذ المقصود هو تغير الأحكام
بناءً عليها، فهو يَخْتَتِم النُّقُولاتِ التي أوردها
بقوله:«وهذا ما جعل كثيراً من أهل العلم يقرون أشياء كانوا
يُنْكِرونها- أو أكثرهم- منذ سنواتٍ غير بعيدة، نزولاًعلى
حُكْم الضرورة ، واستجابةً لنداءِ الواقع، وتطبيقاً لرُوح
الشريعة، التي أراد الله بها اليُسْر، ولم يُرِدْ بها
العُسْر([5]).
وفي ذكره لأسباب المرونة في الشريعة الإسلامية يذكر من ذلك :
تقرير مبدأ تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف.
ويرى أنه مبدأ تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ثم في عهد
الصحابة. واستدل على ذلك بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه
من المؤلفة قلوبهم، وقسمة الأراضي المفتوحة ، وطلاق الثلاث
وغيرها([6]).
وفي السياق نفسه يتحدث الدكتور عبد المجيد النجار عن تغير
الأحكام بتغير الزمان، نتيجة للأوضاع الواقعية التي تُرَجِّح
ذلك التغير، ويَسْتدِل- أيضاً- بما ورد عن ابن القيم من قوله
في طلاق الثلاث : «... فلما تغير الزمان ، وبعد العهد
بالسُّنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل، ونفَقَت في الناس
، فالواجب أن يُرَدَّ الأمرُ إلى ما كان عليه في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم وخليفته، من الإفتاء بما يُعَطِّل سوقَ
التحليل، أو يُقَلِّلْها، ويُخَفِّفُ شَرها، وإذا عُرِضَ على
من وَفَّقَهُ الله، وبَصَّرَه بالهُدَى ، وَوَفَّقَه في
دِينِهِ، مسألةُ كَونِ الثلاثِ واحدةً ، ومسألةُ التحليل ،
ووَازَنَ بينهما ، تَبَيَّنَ له التَّفاوُت ، وعَلِمَ أي
المسألتين أَوْلى بالدِّين ، وأصلح للمسلمين»([7]).
والدكتور عبد المجيد النجار يحدد تَدخُّل الواقع فيما كان
مظنونا من الأدلة ليختار من احتمالها ما يحقق المصلحة في ظرف
واقعي معين. ([8])
المناقشــــــة
:
القول بأن الأحكام تتغير بتغير الأزمنة والأحوال والمصالح
والعادات قولٌ يُرَدِّدُه أكثرُ المهتمين بالتجديد
الفِقْهِيّ أو الأُصوليّ، مؤكدِين استناد هذه القاعدة
للتاريخ الفقهي في عصر الصحابة والتابعين ومَن تَبِعَهُم ،
بل في عصره صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم.
فأما تغير الأحكام في عصره صلى الله عليه وسلم فلا حُجَّة
لهم فيه البتَّة، إذ تشريعه صلى الله عليه وسلم للأحكام
تبليغٌ عن الله عز وجل مراده، ولله عز وجل نَسْخُ ما يشاء
وإثباته. فكيف يجرؤ شخصٌ على ادِّعاءِ الإقتداء بالمصطفي صلى
الله عليه وسلم في نسخ الأحكام وتبديلها!! أفلا يَلْزَمُ من
ذلك القول بالتشريع ابتداء أُسْوةً بِِه صلى الله عليه وسلم
في ذلك؟!
وأما القول بأن فِقْه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض
القضايا يُمَثِّل مُسْتَنَداً للقول بتغير الأحكام بناءً على
تغير المصالح فهو قولٌ مردودٌ بما أوردناه في مناقشة
العقلانيين. وخلاصته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم
يُبَدِّل حُكْماً، وليس له ذلك وإنما حرص – رضي الله عنه –
على تحقيق مناط الحكم في كل قضية نُسِبَ إليه التغيير فيها ،
فحيث تحقق مناط الحكم تحقق الحكم ، وحيث رأي تخلف المناط قال
بتخلف الحكم، وهو المنهج الشرعي الذي تؤيده الأدلة الشرعية ،
وتؤكده قواعد الشرعية وكلياتها.
وأما ما ذكروه من إيراد ابن القيم – رحمه الله- لفصل في تغير
الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال
والنيات والعوائد ، فصحيحٌ وواقعٌ. بَيْدَ أنَّ العلاَّمة
ابن القيم رحمه الله – كما هو حال بقية السلف- لم يَعْمَد
إلى تغيير حكمٍ شرعيٍ تحقق مناطه البتَّة، وأن كل اجتهاد
لُوحِظَ فيه تغييرٌ لحكمٍ شرعيٍ إنما كان – في الحقيقة-
اتِّباعٌ للشرع، وتحقيق لمناطات أحكامه. ([9])
وقد تَتَبَّع بعض الباحثين الأمثلة التي أوردها ابن القيم في
الفصل المشار إليه، وصرح بأنه لم يَرِدْ مثالٌ واحدٌ فيها
قُدِّمَت فيه مصلحةٌ على نص. ([10])
فكل حكم تغير كان إما نصاً بنص ، أو مصلحة بمصلحة راجحةٍ، أو
إلحاقُ حكمٍ اجتهاديٍ بأصلٍ مَنصوصٍ عليه. ([11])
ثم يُقال لهم: هل المقصود من تغيير الحكام بتغير الزمان
والأحوال ... أن الحادثة التي تَغَيَّر حُكْمُها هي هي عند
تغير حكمها بجميع خصائصها وحيثياتها، أم أنه طرأ عليها
اختلافٌ في بعض الخصائص والحيثيات؟
فإن كان الجواب بالأول فهو باطلٌ ؛ إذ ذلك نَسْخٌ للحكم، ولا
نسخ بعد عصر الرسالة.
وإن كان الجواب بالثاني فمقبولٌ ؛ إذ أنهما حادثتان لا حادثة
واحدة، وكل حادثة لها حكمها المستَقِلُّ عن حكم الأخرى،
ومثال ذلك حكم المُؤَلَّفة قلوبُهم، وهم نَفَرٌ من الناس لم
يستقِرّ الإيمان في قلوبهم ، جعلت لهم الشريعة حقًا في مال
الصدقة، يتألفهم به الإمام ، للثبات على الإسلام، فيُسْلِم
مَن وَرائِهم ويَسْلَم المسلمون من شرهم ، وهذا المعني لا
يُخْشَى إلا في حالة ضعف الإسلام، وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم.
فالنص يوجب إعطاء المؤلفة قلوبهم لهذا المعنى.
وفي حالة تطبيق النص يجد الإمام أمامه حالتين:
الأولى: حالة ضعف الإسلام ، وقوم يحتاجون لهذا التأليف.
الثانية: حالة قوة الإسلام ، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة
قلوبهم. فيطبق حكم الله على الحالة الأولى فيعطيهم سهمهم ،
ويطبق حكم الله على الحالة الثانية فلا يعطيهم ، لأنهم ليسوا
ممن أمر الله بإعطائهم، وهذا هو تحقيق المناط([12]).
وعند تحليل كلام الدكتور القرضاوي- المتقدم- نجد إشادة بما
أشار إليه ابن القيم من تغير الفتوى...، ووصف ذلك بالمنار
الذي يهتدي به السائرون، وينوه به المصلحون والمجددون... دون
توضيح لمقصد ابن القيم من التغيير، وبيان محل التغيير وحدوده
وكيفيته ، وهل يشمل الأحكام المنصوص عليها أم لا يكون إلا
فيما لم يُنَصُّ عليه؟ كل ذلك لم يذْكُرْه، وإنما ذكر أهمية
القول بمثل هذه القاعدة التي تفتح الطريق ، وتنير السبيل!!
وعندما استشهد بكلام القرافي المنقول من كتابه «الإحكام»
لاحظ تقييد القرافي بأن التغيير إنما يكون في الأحكام التي
مَدْرَكُها العوائد والأعراف ، لا النصوص المُحْكَمَات . في
حين يفهم من كلام القرافي إخراج كل الأحكام التي مدركها
النصوص قاطعة كانت أو مظنونة.
وقد تكون هذه الملاحظة تنبيهًا من القرضاوي على ضرورة إخراج
النصوص المحكمات عن قاعدة التغيير والتبديل ، إلا أن إيراده
لنصٍ آخر لم يرد فيه هذا القيد، بعد الملاحظة مباشرة، يُوهِم
أنه يتبَنَّاه ، خاصةً بعد أن أورد القانون الواجب على أهل
الفقه مراعاته، وهو ملاحظة تغير الأعراف والعادات بتغير
الأزمان والبلدان لتتغير الأحكام عند ذلك، نزولاً على حكم
الضرورة واستجابةً لنداءِ الواقع ، وتطبيقاً لرُوح ِالشريعة.
ونحن نعرف أحكام الضرورات، أما الاستجابة لنداء الواقع،
وتطبيق روح الشريعة فما إِِِخَالُ مُنْصِفاً يُخالِفُنِي في
ضرورةِ تحديدِ المقصودِ بالاستجابة، وتفسير نداء الواقع،
وضبط الواقع ذاته، وقِسْ على هذا القول بتطبيق روح الشريعة.
أما قولُ الدكتور عبد المجيد النجار بالموازنة بين احتمالات
الدليل (الظني الدلالة) ليُطَبَّق من الاحتمالات ما يحقق
المصلحة في ظرفٍ واقعيٍ معينٍ..
فهو قول المحققين وأئمة السلف . والمهم أن تكون المصلحة
المرعية منضبطةً بضوابط الشرع- كما تقدمت الإشارةُ إليها
أكثر من مرة- فتحقق المصلحة الشرعية المنضبطة بضوابط الشرع
ترجيحٌ لذلك الاحتمال على غيره من الاحتمالات.
وأخيراً فإن القاعدة المشهورة «لا يُنكر تغَيُّر الأحكامِ
بتَغَيُّر الزمان» ليست قاعدةٌ مُسْتَمَدَةً من أقوال السلف،
فهي قاعدةٌ قرَّرَتْهَا مَجَلَّة الأحكام العدلية، ([13])
وقد وضعها الفقهاء للأحكام التي لا تستند مباشرةً على نص
شرعي، بل مصدرها عُرْفٌ أو مصلحةٌ سَكَتََتْ عنها النصوص.
يقول الشيخ مصطفي الزرقا : «مِن المُقَرَّرِ في فِقْه
الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً
في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية وعلى هذا الأساس
أُسِّسَتْ القاعدةُ الفقهية القائلةُ «لا ينكر تغير الأحكام
بتغير الزمان» وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الحكام
التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف الناس هي الأحكام
الاجتهادية من قياسية ومصلحية ، وهي المعنية بالقاعدة الآنفة
الذكر ، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها
وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل
هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال».([14])
وإن كنا نتفق مع الشيخ مصطفي الزرقا في كون القاعدة إنما
تتناول الحكام الاجتهادية ، فإننا نختلف معه في مفهوم
التبديل والتغيير، فقد أوردنا سابقاً أن التغيير في الحكم لا
يمكن أن يقع على صورة واحدة لم تتغير، أما إذا تغيرت الصورة
فمن الطبيعي تغير حكمها، إذ أصبح لدينا صورة جديدة تأخذ
حكماً آخر.
ونحن نعلم أن المصالح التي لم ينص عليها الشارع ، وكذلك
الأعراف والعادات التي لم ينشئها الشارع، كل ذلك يمكن أن
يتغير من المصلحة إلى المفسدة، فيأخذ حكماً غير حكمه الأول،
لأن الصورة الجديدة ليست تلك الصورة الأولي فتأخذ كل صورة
حكمها المناسب لها.
فلماذا الإصرار على أن الحكم قد تغير ، بدلاً من القول أن
هناك صورة جديدة تتطلب حكماً جديداً؟
وقد يرى البعض أن الخلاف لفظيٌّ. وهو ليس كذلك . إذ القول
بثبوت أحكامٍ شرعيةٍ لكل صورةٍ جديدةٍ دليلٌ على شمول
الشريعة واستيعابها لكل المستجدات.
أما القول بتغير الأحكام- مع أنه عند التحقيق ليس تغييراً-
فإنه يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع، والجرأة على تبديل وتأويل
ما تقرر من أحكام ، وتَنْصِيب الواقع- بأعرافه وعاداته
ومصالحه- حاكماً على شرع الله.
( المرجع : محاولات التجديد في أصول الفقه ، للدكتور هزاع
الحوالي ، ص 605-613).
|