|
( لقد ظن اليَسارُ الإسلاميُّ أنَّ الشريعة مَقَاصِد، وأنَّ
العقل هو المُكَلَّف بإِيجادِ الطريقة التي يَراها مُلائمةً،
والأحكام التي يراها كَفْيلةً بتَحقيق هذه المقاصد الكُبْرى،
مُعْتَبِرًا بذلك أنَ ما وَرَد في الشريعة مِن أحكامٍ
تفصيليةٍ لا يُمَثِّل إلاَّ المرحلة الأولى من تطبيق
الشريعة، يَقَع تَجَاوُزُها بِتَجاوُزِ المرحلة. وهنا
نَتَساءَل: هل يُمْكن للعقل وحْدَه أن يُجَدِّد هذه الأحكام
والوسائل المُحَقِّقَة للمقاصد؟
الإجابة لا تحتاج في نظرنا إلى تحاليلَ مُطَوَّلة، إذْ
يُمكِن الاكْتِفاءُ بإِلْقاءِ نظْرةٍ على تاريخ المَذاهب
القديمة والمعاصِرة، فَكُلها تدعو إلى الحرية والعدل
والتقدم، لِنَعْرِف إلى أيِّ مَدَى تَمَكَّنَت من التَّلاؤُم
مع الإنسان في مَطالِبه وطُموحاته. فبِاسْم الحُرية يَقع ما
يَقع: يموت الناس جُوعًا، ويُلْقَى بأَطْنان المَزْرُوعات
والثِّمار في البحار والمحيطات حِفْظًا للأسْعار مِن
الانْخِفاض....، وبِاسْم الدَّعوة إلى المُساواة والعدالة،
تُكَمَّم الأفْوَاه ويُمْنَع الناس من حقوقِهم في التَّعبير،
ويُرْمَى بهم في غَيَاهِب المناطق المُتَجَمِّدة، وباسْم
التقدم يُرْمَى بِكُل سَلَفٍ مُتَمَسِّكٍ بمبادئه، ويُتَّهَم
بالرَّجْعِيةِ والمَاضَوِيَّة والجُمود... كان ذلك ولا يزال،
ولنا من الواقع أكثر من شاهد.
* الفَهْم المَقاصِدِيُّ يَخْتَزِل الشريعة في خَمْسَة
مَقاصِد:
هذا الفهم «التقدمي»للإسلام يَنْفِي عن الشريعة أنْ تكون
مَنْهجًا يَتَضمَّن الوسائل الكبرى وبعض التفصيلات.
فَنَظْرةُ اليَسار إلى الشريعة نظرةٌ اخْتزالية تَسْطيحيةٌ
للشريعة، رغم ما تَدَّعيه لِنَفْسها من عُمْقٍ وغَوْصٍ في
«روح» الشريعة. ولعلنا. لا نُجَانِب الصواب إذا قلنا بأنَّ
هذه النظرة تُؤْمِن بِبَعض الكِتابِ وتَكْفُر بالبعض الآخر،
ما دامت أحكام الوحي- في نظرهم- قابلةً للنَّسْخ المُتواصِل
وِفْقًا للتطَوِّر التاريخيِّ والاجتماعيِّ. وهنا نسأل:
لماذا وَرَدت تلك الأحكام التفصيلية في القرآن؟ هل كان ذلك
فقط للعصر الذي نزل فيه القرآن واستجابةً لظَرْف ٍتاريخي
مُحَدَد؟
لو كان الأمر كذلك لما كانت بنا حاجَةٌ إلى نصوص الكِتاب،
ولأَمْكَنَنَا أنْ نقوم بتلخيصٍ للقرآن في خمسة مَقاصدٍ
نَحْفظها- إنْ لم نَقُل نتْلُوها في الصلاة!! – ثم ما حاجة
الإسلاميِّ التقدُّمِيِّ اليومَ إلى سِتِّين حِزْبًا من
القرآن، وآلاف الأحاديث النبوية؟.. إنَّ كل هذه النصوص
ستُصْبِح في أحسَن الحالات مادةً للتَّثقيف التاريخيِّ
والتَّسْليةِ الفكرية، أيْ: تُراثًا لا غَيْر. فَالْفَهْم
المَقاصِدِيُّ يَنْتَهِي بِنَا إلى اعْتِبار الإسلام تُراثًا
(الإسلام من حيث هو شريعة)؛ بل إنَّ حَسَن حَنَفِي يُطالِبنا
بأكثرَ من ذلك، يُطالِبنا بتغْيير المُصْطَلحات التي تتضمَّن
العقائد...
إن هذه النظرة إلى الإسلام تَجَاوَزَت حتى نظرةَ المُعتزِلة
التي يَنْتَسِب إليها اليَسار الإسلاميُّ. ذلك أنَّ
المُعْتزلَة وإنْ أَعْطَوْا قِيمةً كُبرى للعقل، فإنَّهم لم
يقولوا بِتَعْطيل النصوص، ولم يَقُولوا بِقُدَرة العقل
المُطْلقَة على التَّصَرف في الشريعة، فَالمعتزلة يقولون بأن
العقل قادرٌ على مَعْرفَة الحَسَنِ والقَبِيح، والخَيْر
والشَّر. وإذا أرَدْنا القيام بِقياسٍ أوْ تَشْبيهٍ فإِنَّنا
نقول بأنَّ العقل رُّبَّما يكون قادرًا على تَعْيِين
المَقاصِد الكبرى للشريعة، ولكنه غير قادرٍ على التفصيل في
أحكامها والوسائلِ المُوَصِّلة إِليْها، وذلك خِلافًا لما
يَراه اليَسار الإسلامي، فَلَعلَّ مُعْتَزِلة العصر الحديث
أكثرُ تقدُّمًا في العقلانية من المعتزلة الأوائل.
* الفَهْم المَقاصِديُّ دَعْوةٌ إلى العَلْمانية:
إضافةً إلى اختزالِه الشريعة في خمسة مقاصد، يُمَهِّد هذا
الفَهْمُ المَقاصِدِيُّ إلى العَلْمانية؛ بل يدعو لها
بطريقةٍ أو بأُخْرَى كما سبَقَ بَيانُ ذلك في فصْل الانتماء
السياسيِّ للمُسلم. وليس في ذلك غَرابةٌ أو تَناقُضٌ ما
دُمْنا مُطالَبِين بِضَبْط طريقنا بأنْفُسِنا، وبما
نَنْقُلُه من تَجَارِب الآخَرِين، كما يقول خالد محُيْىِ
الدِّين الذي يَنْتَمِي إلى حِزْب التَّجَمُّع ومعَه حَسَن
حنفي وبعض «الإخوة في الوطن والثورة والحرية...»
معنى ذلك بعبارةٍ أوضَحَ، أنَّ مقاصد الشريعة كَشِعاراتٍ
عامةٍ يُمكن أنْ يحققها القَوْمِيُّ، والماركسِيُّ،
والليبرالي، والمسلم.. سَواءً بسواء، أي ليس من الضروري أن
تكون مُؤْمِناً بالله ومُسْلِماً لِكَي تُحَقِّق مَقاصد شرع
الله، فَبِالإمْكان أنْ تكون غير ذلك وتُحَقِّق مقاصِدَه...
ولسنا ندري بعد ذلك إنْ كان الأمر يتعلق بأسْلَمَة
الماركسيِّ واللِّيبرالي والقومي أم بِتَمَرْكُسِ
المُسلِم... أم بشيٍ آخَر!... وبذلك يتحوَّل الإسلام إلى
شِعاراتٍ عامةٍ، وكأَنَّه لافِتَةٌ يُمْكِن أنْ نَجِدَها على
كل الواجهات. وقديماً قال شاعِرُ الغَزَل:
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلاً بِِلَيْلَى
وَلَيْلَى لا تُقِرُّ لهم بِذاك
* الفَهْم المَقَاصِدِيُّ نَفْيٌ لِمَقاصِد الشريعة:
إنَّ الفَهْم المقاصدِيّ، إضافةً إلى ما سبق (اختزال الشريعة
والدعوة إلى العلمانية)، يَلْزَم عنه إِلْغَاءُ الشَّريعة،
وهُو يُؤَدِّي إلى ذلك مَنْطِقِيًا.
ذلك أنَّ مَقاصِدَ الشريعة التي حَدَّدَها الفَهْمُ
التقدُّمي للإسلام، لا نَجِد مِن الدَّعَوات والمَذاهب مَن
يُنْكِرها. فَكُلُّ الأحْزاب تَدْعو إلى الحرية والعدالة
والتقدم، وتقول بأنها تُحَارِب الظُّلم والاستغلال. وهذا
معناه بلغة أُخْرَى، إذا أرَدْنا أنْ نُواصِل الاستِنْتاجَ،
أنَّ الشريعة لم تأْتِ بِجَديد. فهذه المبادئ والشِّعارات
العامة مُتَضَمَّنَةٌ في كتب الفلاسفة والحُكماء القُدامى
والمُعاصِرين، فما الدَّاعِي إذَنْ إلى أن تأتِيَ عن طريق
الوَحْي؟ وهل يكون مَقْصِد الشرع من ذلك مجرد تَكْرارٍ أو
إِقْرارٍ لما تَوَصَّل إليه العقل، أيْ: مُجرَّد تَزْكِيةٍ
ومُصادَقَةٍ على ما تَوَصَّل إليه الإنسان؟ ذلك ما يراه حنفي
بِصِفةٍ ضِمْنِية وصريحة.
وإذا كان ذلك كذلك فإننا نَتَوصل إلى النتيجة التالية.:
إما أنْ يكون الوَحْيُ مُجَرَّد استجابَةً لِظُروفٍ
تاريخيةٍ، نَزَل على العرب البَدْو قَبْل تَحَضُّرِهم،
والإسلام يكون تَبَعًا لذلك صالِحًا لِلْبَدَوِيِّ وغيرَ
صالحٍ لِلْحَضَرِيِّ: وهذا الاحتمال هو أحسن الاحتمالات.
وإما أن يكون نُزول الوحْي عَبَثاً؛ لأنه لم يأتِ بجديد،
وإنْ أتَى بجديدٍ في عصره فإنَّنا غيرُ ملْزَمِين إلاَّ
بِمَقاصِدِه وهي ليست جديدة..
إذن ألا تَرى معنا أنَّ الفَهْم المَقاصِدِيَّ للشريعة- على
النحو الذي رآه اليَسار- هو نَفْيٌ لمِقاصد الشريعة وقضاءٌ
عليها. فهل مِن مَقاصد الشريعة أن ننْسَخ أحكامَها
ونعَطِّلها ونتجاوَزَها بِاسْم الفَهْم المَقاصِدِي، أيْ:
بِاسْم التقدُّم المُسْتمِر نَحْوَ الأفضل..؟!!
يقول الإمام الشاطِبِي: «إنَّ عامَّة المُبْتَدِعة قائلةٌ
بالتَّحْسين والتَّقْبيح العَقْلِيَّينِ، فَهُوَ عُمْدتُهم
وقاعدتهم التي يَبْنُون عليها الشرع، فهو المُقَدَّم في
نِحَلِهم بحيث لا يَتَّهِمون العقل، وقد يَتَّهِمون
الأدِلَّة إنْ لمْ تُوافِقهم في الظاهر حتى يَرُدُّوا كثيراً
من الأدلة الشرعية. وليس كل ما يَقْضِي به العقل يكون حقاً،
بدليل أنَّهم يَرَوْن اليوم مَذْهَباً ويَرْجِعون عنه غداً،
وهكذا... ولو كان كل ما يَقْضِي به العقل حقاً، لكان العقل
وحْدَه كافِياً للناس في المَعاشِ والمَعاد، ولَكَانَ
بَعْثُ الله لِلرُّسُل عَبَثاً وعِبْئاً لا مَعْنَى له،
وهذا كله باطل فما أدَّى إليه مِثْلُه»([1]).
ثُمَّ إنَّنا إذا نَفَيْنا عن الشريعة كَوْنَها مَنْهجاً-
كما يفعل اليَسار- نَصِل إلى إقْرارِ مبدأ «الغاية تُبَرِّر
الوسيلة»، أيْ: أنَّ المُهِم هو تحقيق المَقْصِد بأيِّ
الوسائل أرَدْنا... إنَّ في الإسلام غاياتٍ، ولكن هناك ضوابط
وأخلاقيات ووسائل علمية كبرى تَضْمَن تحقيق هذه المقاصد
بطريقةٍ تتَكامَل فيها ولا تَتَعارَض، فالْغايةُ السَّامِية
لا نَتَوصَّل إليها بوسائل غيرَ شريفةٍ، وليس مِن باب
المَصْلَحَة أنْ نفْعل كلَّ ما نُريد للوُصول إلى غاية. فما
عند الله لا يُنالُ بِالمَعاصِي والمُحَرَّمات. وأحياناً
تكون الوسائل التي نَسْتَعْمِلها تُؤَدِّي إلى خِلاف الغاية
التي قَصَدْناها، فَيُصْبح عملُنا إفْساداً لِمَقاصِدنا.
ونحن لم نَقُل أن َّالشريعة حدَدَّت جميع الوسائل التفصيلية،
ولكننا قُلنا إنها حددت المَنْهَج في َمبادئه وقواعده،
وحددَت الوسائل الكبرى كما حدَّدت بعض الجوانب التفصيلية،
وتَرَكَت البَقِيَّة لِتَصَرُّف العقل بالاستقراء
والاستنباط، «ذلك أن المُجتهِد ليس مُخْتَرِعاً للأحكام
بحسْب عقله حتى يكون مُتَحَرِّرًا مِن مَعانٍ قَبْلِيَّة،
وإنما هو باحثٌ عن حُكم شرعي يَرْتَضِيه الله – تعالى-، وهو
ما يَقْتَضِي مَوْضُوعِياً أنْ يكون مُتَعَمِّقاً في الشرع،
مُسْتوعِباً لِمَقاصِده ووسائله، وأقَلُّ ما يَتِمُّ بِه ذلك
الأمْرانِ المُتَقَدِّمان: فَهْمُ المَقاصِد والتَّمَكُن من
الاستنباط»([2])
.
وبين الوسائل والغايات هناك مُرُونةٌ وثَبَاتٌ، تَطَوُّرٌ
ومَبْدَئِيَّة، دُون تَحَلُّلٍ وتَمَيُّعٍ وانْهِزامٍ أمام
الآخَر. أمَّا أنْ نُحاوِل تَطْوِيع النصوص وإِحْناءَ
رأْسِها أمام الواقع فإن ذلك لا يُعَدُّ واقِعيةً، وإنما هو
تَكْرِيسٌ للواقع. يقول المفكر الإسلامي سيد قُطْب:«والدِّين
لا يُواجِه الواقِع أيَّاً كان لِيُقِرَّه ويبحث له عن
سَنَدٍ منه وعن حُكمٍ شرعيٍّ يُعَلِّقُه عليه، كاللاَّفِتَة
المُسْتَعارَة، إنما يُواجِه الواقع لِيَزِنَه بِمَيْزانِه،
فَيُقِرُّ منه ما يُقِرُ،، ويُلْغِي منه ما يُلْغِي،
ويُنْشِئُ واقعاً غيره إن ْكان لا يَرْتَضِيه»([3]).
ويتِِمُّ كل ذلك في حُدودِ الانْسجامِ بينَ الوحْيِ والواقع
والعقل. وهذا الحديث يَجُرُّنا إلى الحديث عن المَصْلَحة
ومَوقِعِها من التشريع.
ج- هل تكون المصلحة أصْلاً مُستقِلاً في التشريع:
ما مِنْ شكٍّ في أنَّ الأحكام الشرعية مُرَاعَى فيها مَصالح
العباد كما سبق بَيانه. ولكن هل تكون المصلحة في غير ما شرع
الله، وهل يُمكن أن تَسْتَقِل في التشريع ولو خالفَتْ نَصاً
شرعياَ؟
إنَّ المُراد بِالمصْلحة عُموماً جَلْبُ المَنْفَعة ودَفْعُ
المَفْسَدة والضَّرَر. ومن أقْسام المصالح «ما يَشْهَد الشرع
على اعْتِبار كوْنِه حِكْمةً نَبْنِي عليها الحُكْم
كالإِسْكار، فَقَد فُهِمَ من الشرع بِناءُ تَحْريمِ الخَمْر
عليه لِمَصلحة حِفْظِ العقل، فَيَحْرُم كلُّ مَطْعُومٍ أو
مَشْروبٍ مُسْكِرٍ لِنَفْس المَعْنَي»([4])
ومِن الأقسام كذلك: «ما لم يَشْهَد نَصٌّ مُعَيَّنٌ
من الشرع باعْتبارِه ولا بِإلْغائِه، ويُسْمَى هذا القِسْم
المصلحة المُرْسَلَة أو الاستِصْلاح، وإنما كانت مُرْسلةً
لأنها أُطْلِقَت، فَلَمْ يَرِد في نَصِّ الشرع اعتبارُها ولا
إلْغاؤُها»([5]).
وقد اسْتَهْدفَت الشريعة المُحَافَظَة على «الكُلِّيات
ِالخَمْس»، وهي: الدِّين والنَّفْس والنَّسْل والعقل والمال.
والمحافظة على هذه الأمور تَتِم بوسائل مُتَدَرِّجة في
الأهمية والخُطورة: الضروريات – الحاجِيَّات-
التَّحْسِيِنَّات. والمصلحة تشمل هذه الأقسام الثلاثة
المذكورة.
وقد ذهب الإمام مالك وبعض الشافعية إلى أنَّ الاحْتِجاجَ
بالمصلحة المُرْسَلة التي في رُتْبَة الضَّروريات، حُجَّةٌ
وإنْ لم يُعاضِدْها دَليلٌ مُعَيَّنٌ، لأنه بِمَثابَة بِناءِ
الأحْكام على مَقاصد الشريعة. كما احْتَجَّ الإمام مالكٌ
كذلك بالمصلحة التي في رُتْبَةِ الحاجِيَّات، وخالَف في ذلك
عامَّة أهل َالعِلْم. أمَا المصلحة التي في نَوْع
التَّحْسينيَّات والكماليَّات فقد اتَّفَق جُمْهور العلماء
على أنَّه لا يَجُوز الاحْتجاجُ بها إلاَّ إذا عاضَدْها
دليلٌ من الشرع، إذ لو احْتُجَّ بها لأَدَّى ذلك إلى
تَغْيِير الشرائع، خاصةً وأنَّ الناس يَخْتَلِفون في
مُيُولهِم وأغْراضهِم، فلا يَجوز الاحْتجاج بمَصالح
مُتَعارِضة.
* وإذا كان الإسلام قد اعْتَرَفَ بالواقع والعُرْف
والمَصالح، فذلك لأنه تشريعٌ واقِعِيٌّ قابلٌ للتطبيق، ولكنه
يَخْتَلف عن غيره من التشريعات في كَوْنه حددَ ضوابطَ لهذه
المصالح، لأن الكثير من الناس أصبحوا يَتَمَسَّكون بمبدأِ
الضرورة، ويُفْتُون لأنْفُسِهم بِإباحَة ما حَرَّم الله
مُتَناسِينَ مَعْنَى الضرورة الذي يتَمَثَّل – كما يقول
العلماء – في «أنْ تَطْرَأ على الإنسان حالةٌ من الخَطَر أو
المَشَقَّة الشديدة بحيث يَخَاف حُدوثَ ضررٍ، أو أَذَىً
بالنَّفْس، أو بالعُضْو، أو بالعِرْض، أو بالعقل، أو بالمال،
وتَوابعها، ويَتَعيَّن أو يُباح عندئذٍ ارْتكابُ الحرامِ، أو
تَرْكُ الواجِبِ أو تأخيره عن وقته، دَفْعاً للضَّرر عنه في
غالب ظنِّه ضِمْنَ قُيودِ الشرع»([6]).
فليس كلُّ مَنِ ادَّعَى وُجُودَ الضَّرورة يباح له فِعْله.
ومِن هذه الضوابط نذكر بعضها إجمالاً لا تفصيلاً:
-أن تكون الضرورة قائمةً (مُتَحَقَّقةَ الوُقوع) لا
مُنْتَظَرَة.
- أن يَتَعيَّن على المُضْطَرِّ مُخالَفَة الأوامِرِ أو
النَّواهي الشرعية، أو ألا يكون لِدَفْع الضَّرَر وسيلةٌ
أُخْرَى من المُباحات إلاَّ المُخالَفَة، كأَنْ يوجَد في
مكانٍ لا يَجِدُ فيه إلاَّ ما يَحْرُمُ تَناوُله.
- الإكْراه إلى حَدٍّ يُخْشَى معَه تَلَفُ النَّفْس أو
الأعضاء...
- ألا يُخالِفَ المُضْطرُّ مَبادِئ الشريعة من حِفْظ حُقُوق
الآخَرين، وتحقيق العدْل، وأداء الأمانات، ودَفْع الضَّرَر،
والحِفاظِ على مبْدأ التَّدَيُّن، فلا تَحِلُّ المَفاسدُ في
ذاتها، كالزِّنا والقتْل والكُفْر، لأنَّ ما خالَفَ قواعد
الشرع لا أثر فيه للضرورة.
- أنْ يَقْتَصِر فيما يُباح تناوُله ُللضرورة، في رأْيِ
جُمْهور العلماء، على الحَدِّ الأدْنَى أو القَدْر اللازِم
لِدَفْع الضرر.
- أنْ يَصِف المُحَرَّم- في حالة ضرورة الدواء – طبيبٌ عدْلٌ
ثِقَةٌ في دينه وعلمه، وألاَّ يوجَد من غير المُحَرَّم عِلاج
ٌآخَرَ يقومُ مَقَامَه... ([7]).
كما أنَّ مُراعاة الإسلام للعُرْف والعادات مَشْروطةٌ هي
الأُخْرَى بضوابط. فالعرف في اعتبار الشرع نوعان: صحيحٌ
وفاسدٌ. فالعُرف الصحيح: هو ما تَعَارَف عليه الناس دُون أنْ
يُحِلَّ حراماً أو يُحَرِّمَ حلالاً، والعرف الفاسد: هو ما
تَعَارَفَهُ الناس ولكنَّه يُحِل حرامًا ويُحَرِّم حلالاً.
وقد اشترط العلماء في العرف شروطاً لجوازه، أهمها: ألاَّ
يُعارِض نَصاً تشريعياً آمِراً بِنَقِيض المُتَعارَف عليه،
أو ناهِياً عنه، أو مَمْنوعًا بنَصٍّ خاصٍّ واردٍ فيه..
وبناءً على ما تَقَدَّم، فإنَّ الشرع قصَد إلى مُراعاة
مَصالح العباد، فأحَلَّ لهم الطَّيْباتِ وحَرَّم عليهم
الخَبائث. ولكنه حدَّد لهذه المصالح ضوابط حتى لا يتَساهَل
الناس في الإفْتاء لأنْفُسِهِم بِفِعْل ما يَحْلُو لهم
بِدَعْوَى الظروف والضرورة والمصالح... والمُتأمِّل في
مُجتمعِنا يُلاحِظ هذه الالْتِباساتِ والشُّبُهات الكثيرة
التي يقع فيها الناس بِوَعْيٍ أو بدون وَعْي. وبعض الناس
تَشْتَبِه أمامهم السُّبُل والاختيارات، فيَرْتَكبون
المُحَرَّمات ويتساهلون في «الإفتاء» لغيرهم فَيَضِلُّون
ويُضِلُّون.
وأحيانا يكون الفساد مَغْموراً بِصلاحٍ، والصلاحُ مَغموراً
بفساد. فأحْكام الإسلام في القِصاص والرَّجْم وقطْع يدِ
السارِق قد تَبْدو لِلْبعض هَمَجِيَّةً لا تُناسِب مَصالح
البَشَر، أو قد يَعُدُونها امْتِهاناً للكرامة الإنسانية...
والتَّعاملُ بالرِّبا قَدْ يُغْرِي البعض بالقيام بِمَشاريعَ
إسلاميةٍ... وقد يكون ذلك من الهَوَى أو مِن قُصورٍ في
النَظَر والتأمُّل، أو مِن إِرادَةٍ مُتَحَمِّسةٍ لِنُصْرَةِ
الإسلام... ولكن هؤلاء مُخْطِئون في نَظْرَتِهم لِلمصالح ِ،
فما هو مَصلحةٌ بالنسبة إليهم هو في أغلب الأحيان سبيلٌ إلى
فسادٍ أكبرَ منه، فالذين لا يتحَرَّجون من التَّعامُل
بالرِّبا يُعَمِّقون هذه المُمَارَسة الاستغلالية ويَزيدون
الأوضاع تأزُّماً، والذين يخافون من القِصاص يَجْعلون
المُجْرمِين يَسْتَسْهِلون هذه الكبائر، فيكون ذلك سبيلاً
مَباشِراً لامْتِهان كرامة الإنسان، ولقد بَيَّنَت
التَّجارِب التاريخيةُ القديمةُ والحديثةُ فَعالِية نِظام
ِالعُقُوبات ِفي الإسلام... وما يقال في نظام العقوبات يقال
كذلك في مجال تنظيم المجتمع والعائلة.
والحِكْمَة مِن الحُكم الشرعي قد لا تَتَجَلَّى أمامنا في كل
وقت؛ لأنها قد تكون ضِمْنِية غير صريحة، فقد لا نُدرِك
بِوُضوحٍ الحِكْمة من بعض الشعائر التَّعَبْدِية، ومن
الطريقة التي يُطالِبنا الشرع فيها بأدائها. فلقد أنْبَأَنا
الله بِبَعض الحِكَم العامَّة من العِبادات (التَّقْوَى –
الانْتهاء عن الفَحْشاء والمُنْكَر..) ولكن عدد ركَعَات
الصلاة، أو صيام شهر رمضان، أو بعض مَناسِك الحَجّ.. لم
يُفَصّل لنا وجْهَ الحِكْمة في كل جوانبها. وفي المعاملات:
سَنَّ الإسلام أحْكاماً وحَرَّم أشياءَ وأحَلَّ أُخْرَى،
وسَكَتَ عن أشياءَ رحْمةً بِنا غير نِسْيانٍ. وقد نَقِف على
الحِكمة بسَهولة وقد لا نقف؛ فإذا وقَفْنا انتَهَت
المُشكِلة، وإذا لم نقف فإنَّ علينا أنْ نعملَ بتلك الأحكام
مُعْتَقِدين في حِكْمَة المُشَرِّع. فالمسلمون الأوائل
صَدَّقوا بهذه الأحكام وعمِلوا بها «تَعَبُّداً لله»،
فامْتَنَعوا عن أكْلِ لحْم الخِنزير لِمُجَرَّد أنْ
أنْبأَهُم القرآن بأنه
(رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)،
ولم يكونوا عارفين بِمَضارِّه المادِّيةِ. واليوم وقد بدَأَ
العِلْمُ يقف على بعض الأضرار الموجودة في لحم الخِنزير، لا
نقول إنَّه عَرَفها كلَّها، ولا نستطيع أن نقول إننا
اكتشفْنا عِلَّة التَّحْريم، ولا نتَطاوَل فنقول: إنه يُمْكن
القضاءُ على بعض الجراثيم ثُم نأكلُ هذا اللحم، لأن العِلة
الصريحة والمُجَسّمة لم يَقَع اكتشافها ولذلك فإن الحُكْمَ
سيبْقَى قائماً ما دامت السماوات والأرض... وما يقال في هذا
المثال يقال في غيره من الأحكام الشرعية، فلا نقول: إن
المرأة اليوم أصبحت تعمل خارج البيت، فلا حاجة لنا إذن بالنص
القرآني الذي يقول:
+فَلِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ"..
إنَّ تَصَرُّفا مِثْل هذا يُؤدي مُباشَرةً إلى نَقْض كافَّة
أحْكام الشرع، فَضْلاً عن كَوْنِه يَتَضَمَّن مَعْنَىً
مُؤَدَّاه أنَّ الله لا يعْلَم مَصالح عباده، وهذا باطل:
(أَلاَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
([8]).
وهناك فريقٌ آخَرَ يقِفُ مَوْقِفاً آخَر مِن هذه المسألة،
حين يَعْتَبِر أنَّ الأحْكام قابلةٌ للتَّغَيُّر، ويُمكن
الاكْتفاءُ ببعض المبادئ التي جاء بها الإسلام. وبالنسبة
لهذا الرأي «إنَّ الثابت في التشريع هو مبدأ العقوبة أو
الجزاء، أما الأشْكال التَّطْبيقية لهذا المبدأ فمَوْكُولَةٌ
لِكلِّ عصرٍ على حسْب أوْضاعِه وأعْرافِه وقِيَمه. وبهذا
يَسْتَوْعِب القرآن مُتَغَيِّرات العصور، ويَبْقَى كما أرادَ
لَه الله صالحاً لكل زمان ومكان»([9]).
وهذا الرأي يُريد الدِّفاع عن الإسلام وإبْرازَه في صورةٍ
تجْعلُه حسْب ظَنِّ صاحِبِه، مُتلائماً مع كل الظروف. ولكنه
يُؤَدي هو الآخَر إلى اخْتزالِ الشريعة في بعض المبادئ،
ونقول لِصاحِبِه: إنَّ الشريعة لم تَكْتَفِ بِسَنِّ مَبادئ
العقوبات؛ بل سَنَّت كذلك الأحْكام، فلَمْ يكْتَفِ القرآن
بمبدأ عُقوبة جَرِيمَة الزِّنا أو السرقة، وإنما حدَّد هذه
العُقوبة، ولو كان يُمْكِن الاكْتِفاءُ بالمبادئ
لَقُلْنا:إنَّ الإسلام لم يُضِف – تبْعاً لذلك – أشياءَ
جديدةً وتشريعاتٍ مميزةً، ويكون بذلك قد اقْتَصر على تأْيِيد
بعض العقوبات التي في عصره، فجميع القوانين أو أغلبها
تُعاقِب على جريمة السَّرقة والخِيانةِ والزِّنا... وليس
المُهِمُّ في المبدأ فقط، وإنما في الشكل كذلك.
إن هذا الرأي بِقَطْع النَّظر عن خلفِيَّاته ,لأننا لا
نُناقِش الخَلْفِيات، يؤدي كذلك إلى تأْويل أحكام الشريعة
الواضحة تأويلاً يُمَزِّقُها ويُفْسِدُها.
لا شك في أن الشريعة جاءت لِترْفَع الحَرَجَ والمَشَقَّة،
وقد أدْرك علماء الأمة هذه المعاني فَبَيَّنُوا سَماحة
الشريعة، وغيَّر بعضُهم فَتْواهُ بتَغَيُّر الزمان والمكان،
يقول ابن القيِّم: «فَصْلٌ في تَغَيُّر الفَتْوَى واختلافِها
بحسْب تَغيُّر الأزْمنة والأمكنة والأحوال والنِّيات
والعَوائد؛هذا فَصْلٌ عظيمٌ جداً، ووَقَع بِسَبَب الجَهْلِ
بِهِ غَلَطٌ عظيمٌ على الشريعة أَوْجَبَ مِن الحَرَجِ
والمَشقَّة وتكْلِيف ما لا سبِيل إليه ما يُعْلَمُ أنَّ
الشريعة الباهرة التي في أعلى رُتَبِ المصالح لا تأْتِي به»
([10]).
وقد قال الإمام مالك ردَّاً على الخليفة أبي جعفر المنصور
عندما طَلب منه تأْليفَ كِتابٍ يَتَوسَّط فيه بينَ رُخَصِ
ابنِ عباسٍ وشدائدِ ابنِ عمر، قال: «لا تَفْعَل يا أميرَ
المؤمنين، فقَد سَبَقَت إلى الناس أقاوِيل، وسمعوا أحاديث،
وأخذ كل قومٍ بما سَبَق إليهِم، فَدَعِ الناس وما اختارَ
كلُّ قَوْمٍ لأنْفُسِهم» وفي روايةٍ أنه قال: «إنَّ أصْحابَ
رسول الله تَفَرَّقوا في الأمْصار، وعِنْدَ كل قومٍ علمٌ،
فإنْ حَمَلْتَهم على رأْيٍ واحدٍ تكون فتنة» ([11]).
وبذلك يَتَبَيَّن أنَّ شريعة الإسلام مُتَوافِقَةٌ مع
الإنسان في ثَباتِه وتَطَوُّرِه دُون أنْ تَتَحوَّل إلى
«مَرْكوبٍ سهْلِ الامْتِطاء» يَتَطَاولُ عليه كلُّ إنسانٍ).
( المرجع : " ظاهرة اليسار الإسلامي " ، محسن الميلي ، ص
145-158) .
|