|
من مبادئ (العصرانية) تقسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات، وقد
تناول مفكروها هذه القضية بالبحث في المسيحية واليهودية
والإسلام.
ويشرح الدكتور معروف الدواليبي هذا المبدأ في مقال له
بعنوان: « النصوص وتغير الأحكام بتغيير الزمان» فيقول:
« إذا كان النسخ لا يصح إلا مِنْ قِبَل الشارع نفسه فهل يصح
في الاجتهاد تغير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام، وذلك تبعًا
لتغير الأزمان؟
1-
إن جميع الشرائع من قديمة وحديثة قد أخذت بمبدأ جواز النسخ
لِمَا في الشريعة من بعض الأحكام، تبعًا لتغير المصلحة في
الأزمان، غير أنها لم تأخذ بمبدأ السماح للمجتهدين بتغير حكم
من الأحكام ما دام ذلك الحكم باقيًا في الشريعة، ولم ينسخ
مِنْ قِبَل مَنْ له سلطة الاشتراع.
2-
ولقد تفردت الشريعة الإسلامية من بين جميع تلك الشرائع من
قديمة وحديثة بالتمييز ما بين المبدأين أولا، وبالأخذ بهما
ثانيًا.
فلقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية
حقًّا خاصًّا بمن له سلطة الاشتراع وأخذت به. أما التغيير
لحكم لَمْ ينسخ نصه مِنْ قِبَل الشارع فقد أجازته للمجتهدين
من قضاة ومفتين، تبعًا لتغير المصالح في الأزمان أيضًا،
وامتازت بذلك على غيرها من الشرائع، وأعطت فيه درسًا بليغًا
عن مقدار ما تعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد، ومن تقدير
لتحكيم المصالح في الأحكام.. وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ
الجليل قاعدة مقررة في التشريع الإسلامي، تعلن بأنه «لا ينكر
تغير الأحكام بتغير الأزمان».
فعلي رأي الكاتب الفاضل أن الشريعة الإسلامية تمتاز بالمرونة
والطواعية في هذه الناحية على غيرها من التشريعات، فتجيز
للقاضي أو المفتي تغيير حكم من الأحكام، ولو كان هذا الحكم
ثابتًا بنص القرآن أو السنة، تبعًا لتغير المصالح بتغير
الأزمان، مع أن كثيرًا مِنَ القوانين قديمًا وحديثًا لا
تتميز بهذه المرونة، فلا يمكن لقانون وضعه مجلس تشريعي،
ينقضه أحد كائنًا مَنْ كان ولو أحد قضاة المحاكم العليا أو
رئيس الوزراء. ويقول: إن ذلك أصبح في الإسلام قاعدة فقهية
مقررة؛ وهي أنه « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».
ولتتضح لنا الحقيقة في هذه المسألة لا بد من النظر أولا في
هذه القاعدة الفقهية التي أشار إليها الكاتب، ثم ننظر في
الأدلة التي تورد عادة لتعضيد وجهة النظر القائلة بهذه
المرونة الواسعة للشريعة الإسلامية، التي لا تداينها حتى
أكثر القوانين العصرية تقدمًا.
من المعروف أن أحكام الشريعة تنقسم إلى قسمين: رئيسين: أحكام
مصدرها نصوص القرآن والسنة مباشرة، وأحكام مصدرها الاجتهاد
دون أن تستند مباشرة على النصوص؛ مثل أن تكون مبنية على
مصلحة سكتت عنها النصوص، أو عُرْف أو عادة لم ينشئها نص
شرعي.
لا يختلف اثنان على أن الأحكام في كلا القسمين إنما ترمي إلى
تحقيق مصالح الناس ومراعاة منافعهم، ومما لا ريب فيه أن بعض
هذه المصالح والمنافع يتبدل ويتغير بتغير الزمان أو المكان،
أو لأي عامل من العوامل التي تؤثر في تغير المصالح.
ففي القسم الثاني من الأحكام الذي لم يكن مصدره النص مباشرة،
ولم يجد الفقهاء صعوبة تُذْكَر في تقرير أن المصلحة التي لم
يأتِ بها نص أصلا يمكن أن تغير وتصبح في حين مِنَ الأحيان
مفسدة، أو أن العُرْف و العادة الذي لم يتكون إثر نص شرعي
أصلا يمكن أن يتبدل ويتغير، وحينئذ قرروا - بلا تحفظ- أن
الأحكام في هذا القسم تتغير بتغير الزمان؛ لأن الأصل الذي
تبني عليه أصل متغير، وتغيره سواء كان مصلحة أو عُرْفًا
متصور عقلا وواقع ملموس.
أما القسم الثاني من الأحكام وهي الأحكام التي تقررها النصوص
مباشرة، فكل أحد يقر أن النص مقصود منه تحقيق المصلحة للناس
ومقصود منه منفعتهم، فغاية النص وهدف النص وحكمة النص هي
المصلحة. حينئذ لم يستطع ذهن الفقهاء أن يتصور أن هذه
المصلحة التي يثبتها النص يمكن أن تتغير وتصبح في زمن من
الأزمان مفسدة؛ ذلك أن مِنَ المتفق عليه أن المصلحة ليست
تابعة للهوى أو المزاج الشخصي، وأن المصالح التي تقررها
النصوص هي المصالح حقيقة. وأن من التناقض الواضح أن يقال: إن
مصلحة ما عارضت النص؛ فالنص هو عدل كله، ورحمة كله، وحكمة
كله، ومصلحة كله، فأي مصلحة تلك التي تعارض النص، إلا إذا
كانت نابعة من هوى أو مصدرها مزاج سقيم. حينئذ قرر الفقهاء
أن الحكم الذي مصدره النص حكم ثابت إلى يوم الدين لا يتغير
بتغير الزمان.
يقول الإمام ابن حزم مؤكدًا هذه الحقيقة:
« إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على
حكم ما فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان، ولا
لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا في كل زمان وفي كل
مكان على كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو
مكان آخر أو حال أخرى».
وعلى هذا فإن القاعدة الفقهية: «لا ينكر تغير الأحكام بتدل
الزمان» قد وضعها الفقهاء للقسم الثاني من الأحكام؛ وهي
الأحكام التي لا تستند مباشرة على نص شرعي، بل مصدرها عُرْف
أو مصلحة سكتت عنها النصوص. وهذه القاعدة هي إحدى قواعد
المجلة، وقررتها المادة (39)، وقد جاء شرح هذه القاعدة
بقصرها على الأحكام التي لم تستنبط من النصوص،
وعلى هذا استقر فهم الفقهاء...
يقول الدكتور (مصطفى الزرقا) في بحثه لهذا الموضوع:
« من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال
الزمنية تأثيرًا كبيرًا في كثير من الأحكام الشرعية
الاجتهادية، وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة:
لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان. وقد اتفقت كلمة فقهاء
المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف
الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، وهي المعنية
بالقاعدة الآنفة الذِّكر، أما الأحكام الأساسية التي جاءت
الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل
بتبدل الأزمان؛ بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح
الأزمان والأجيال».
أثر العرف في تغير الأحكام:
ويزيد الإمام الشاطبي أحد علماء أصول الفقه المتمكنين مسألة
تأثير العرف تغير الأحكام شرحًا وتوضيحًا؛ فيبيِّن أن
العادات والأعراف المتبدلة هي الأعراف التي لم تنشئها
الشريعة أصلا، ولم تتعرَّض لها إطلاقًا، لا بمدح ولا ذم،
إنما أنشأها الناس بأنفسهم نتيجة العلاقات الاجتماعية بينهم،
فهذه هي التي يؤثر تغيرها في أحكامها الشرعية فيتغير حكمها
تبعًا لتغيرها. وضرب بعض الأمثلة على ذلك؛ منها على سبيل
المثال: العبارات التي يكون لها تأثير في إنشاء أو إنهاء
عقود المعاملات المالية، مثل البيع أو ألفاظ الطلاق، فهذه
يراعى فيها العبارات التي يعتادها الناس والاصطلاحات التي
يستعملونها في كل عصر. ومن الأمثلة أيضًا للعوائد التي تتغير
لها، ويكون لها تأثير العادات الخاصة بالزواج مثلا، فهذه قد
تختلف من عصر إلى عصر، أو من بلد إلى بلد، فإذا كانت العادة
مثلا أن يدفع المهر كاملا قبل الزواج أو الهدايا التي تدفع
للعروس تكون من ضمن المهر، فلهذه العادات تأثير في الأحكام
الشرعية.
أما العادات والأعراف التي تنشئها الشريعة، وتعتبرها من
المحاسن أو تذمها وتعدها من القبائح، فهذه لا تتبدل ولا
تتغير بل هي ثابتة، وفيما يلي عبارة الإمام الشاطبي التي شرح
فيها هذه القضية:
يقول: «العوائد المستمرة ضربان؛ أحدهما: العوائد الشرعية
التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع
أمر بها إيجابًا أو نَدْبًا، أو نهي عنها كراهة أو تحريمًا،
أو أذن بها فِعْلا وتَرْكًا. فالثانية: هي العوائد الجارية
بين الْخَلْق بما ليس في نفيه وإثباته دليل شرعي.
فأما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية.. فهي إما
حسنة عند الشارع أو قبيحة.. فلا تبديل لها.. فلا يصح أن
ينقلب الْحَسَن فيها قبيحًا ولا القبيح حَسَنًا.. إذْ لو
صَحَّ مثل هذا لكان نَسْخًا للأحكام المستقرة المستمرة،
والنسخ بعد موت النبي
r
باطل.. فرفع العوائد الشرعية باطل».
أما الثانية: فهي عند الشاطبي المتبدلة، ثم ضرب لها أمثلة
سقناها.
رأي الطوفي في أثر المصلحة في تغير الأحكام:
أسلفنا القول أن الحكم الذي جاء به نص حكم ثابت لا يتغير؛
لأن المصلحة التي يحققها مصلحة ثابتة لا تتغير، وقد ظل هذا
هو الرأي السائد الوحيد بين الدوائر العلمية، لا يشذ عنه
فقيه، ولا يعرف أحد رأيًا غيره، حتى نشرت مجلة (المنار) في
أوائل هذا القرن رأيًا مهجورًا لأحد فقهاء القرن السابع
الهجري، وهو (نجم الدين الطوفي) ذكرت المجلة أن تحدث عن
المصلحة بما لم تَرَ مثله لغيره من الفقهاء،
فمن هو الطوفي هذا؟ ما رأيه الذي شَذَّ به عن بقية الفقهاء؟
تذكر المصادر التي ترجمت لحياة (الطوفي) أنه كان من الفقهاء
الحنابلة، وتصفه بالعلم والصَّلاح والفَضْل، ولكن هذه
المصادر ذاتها تلقي ظلاله على منهجه في التفكير، وتتهمه
بالتشييع والرفض وسَبِّ الصحابة، وتجعل ذلك سببا للثائرة
التي ثارت عليه حين كان في القاهرة، ومنها نُفِيَ إلى بلدة
صغيرة. وإذا كان البعض يشكك في صحة ما اتهم به ويبرئ ساحته،
إلا أن كل الكتابات قديمًا وحديثًا تتفق على أن رأيه في
المصلحة رأيًا شاذًّا، لم يعرف قبله ولم يتابعه فيه أحد بعده
إلا بعض المعاصرين،
وقد يكون الشذوذ وحده ليس عيبًا وإن كان في الغالب دليل
الخطأ، فهل كان رأي الطوفي في المصلحة مع كل تلك الظلال
القاتمة في حياته ومع ذلك الشذوذ رأيًا صائبًا، أم كان رأيًا
لا وزن له؟
أوضح الطوفي رأيه في المصلحة في ثنايا شرحه لأحد الأحاديث
الأربعينية وهو حديث «لا ضر ولا ضرار»،
وخلاصة رأيه أن المصلحة أقوى مصادر التشريع، بل هي أقوى من
النص والإجماع، وأنه في غير دائرة العبادات والمقدرات فإن
المصلحة تقوم على النص والإجماع إذا عارضتهما.
يقول: « واعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها مستفيدين لها من
الحديث المذكور – حديث لا ضرر ولا ضرار – ليست هي القول
بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك،
وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات،
وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام.. فالمصلحة
وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا؛ فإن اتفقا فبها
ونِعْمَتْ، وإن اختلفا وتعذَّر الجمع بينهما قُدِّمتِ
المصلحة على غيرها.. وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات
ونحوها دون العبادات وشبهها؛ لأن العبادات حق للشرع خاص به،
ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من
جهته، فيأتي به العبد على ما رُسِمَ له.. وهذا بخلاف حقوق
المكلفين؛ فإن أحكامها سياسية شرعية وضعتْ لمصالحهم، فكانت
هي المعتبر، وعلى تحصيلها المعوَّل.. ولا يقال: إن الشرع
أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته؛ لأنا قد قررنا أن رعاية
المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل
المنافع».
ويسوق لرأيه هذا عددًا من الأدلة؛ منها:
1-أن
النصوص إجمالا وتفصيلا قد بيَّنت أن مقصود الله -عز وجل- من
تشريع أحكامه تحقيق المصلحة ورفع الحرج؛ من ذلك قوله تعالى:
( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ ) (البقرة: 185)، وقوله: ( وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
) (الحج: 78) وقال عليه السلام: «الدين يسر»، وقال: «بعثت
بالحنيفية السمحة».
2-حديث
لا ضرر ولا ضرار وهو واضح الدلالة في نفس الضرر والمفسدة،
وتقديم المصلحة على جميع أدلة الشرع، فإذا تضمن بعد أدلة
الشرع ضررًا كان لا بد عملا بهذا الحديث من إزالة ذلك الضرر.
3-أن
النصوص متعارضة مختلفة، فلهذا تكون سببًا للخلاف والتفرق،
أما المصلحة فأمر حقيقي لا يختلف فيه، ولهذا فهي أولى
بالتقديم على النصوص.
4-أن
المصلحة دليل متفق عليه، أما الإجماع فدليل مختلف حوله،
فالتمسك بالمتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
وهذا مجمل ما عند (الطوفي) من أدلة على رأيه، ولكن تحليل هذه
الأدلة بكل رَوِيَّة وتَمَعُّن يظهر فيها ضعفًا وتناقضا لا
يُخْطِئه مَنْ له أدنى إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها.
1-
فمما لا يختلف فيه اثنان أن النصوص دلت عمومًا وتفصيلا أن
أحكام الشريعة غايتها المصلحة، ولكن هذا دليل إثبات أنه
حيثما وُجِدَ النص فَثَمَّ المصلحة، والله أراد من النصوص
اليُسْر ولم يرد بها العُسْر، وكل نصوص الدين ما جعل الله
فيها مِنْ حَرَجٍ وهي سمحة سهلة، فكل أدلة (الطوفي) في أن
المصلحة واليسر ورفع الحرج في مقصود الشارع، فهي دليل على
ضرورة التزام النص وتقديمه؛ لأنه الذي يحقق المصلحة في كل
الظروف.
2-
وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلة أيضًا على أن كل نصوص
الشرع لا ضرر فيها، وأن المصلحة متحققة منها دائمًا، إذا كيف
يقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببًا
في الضرر. إن من يفرض وقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض
بَيِّنٍ.
3-
والاختلاف في تقدير المصلحة أمر واقع، وهو اختلاف كبير
واسع، فالمصلحة ليست أمرًا منضبطًا يتفق عليه الناس، وإلا لو
كان الأمر كذلك
لاتَّفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم، وكل هذا ينقض
ما قاله (الطوفي) مِنْ أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه.
4-
والطوفي في عبارته عن تقديم المصلحة على الإجماع متناقض
جدًّا؛ فهو يقول: إن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلف
حوله، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها (فأصبح معنى كلامه:
الإجماع أضعف من رعاية المصلحة؛ لأن رعاية المصلحة مجمع
عليها، والإجماع غير مجمع عليه).
5-
ومن الملاحظ أن الطوفي لم يأتِ بمثال واحد يرينا فيه كيف أن
المصلحة عارضت النص، وكيف تقدَّم عليها؛ حتى نستيقن مما
يقول، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقًا -بعد طول الاستقراء
والبحث- حالة واحدة تعارض فيها المصلحةُ النصَّ؛ لأن ذلك
التعارض أمر متوَّهم.
ولضعف أدلة (الطوفي) وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين
حملة قوية؛ فيقول الشيخ أبو زهرة عن رأيه: «إنه رأي شاذ بين
علماء الجماعة الإسلامية» ويقول: «.. إن مهاجمته للنصوص ونشر
فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح هي أسلوب شيعي، أريد به
تهوين القدسية التي يعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع.
والشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق؛ لأن
الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس في الدنيا والآخر،
أدري الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبي
r
لأنه أوصيائه. وقد أتى الطوفي بالفكرة كلها وإن لم يذكر كلمة
الإمام ليروج القول وتنتشر الفكرة».
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: «.. وإن الطوفي الذي يحتج
بالمصلحة المرسلة إطلاقًا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص فتح
بابًا للقضاء على النصوص، وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة
للنسخ بالرأي؛ لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي
وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة بالرويَّة والبحث يقدرها
مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء، وتقدير العقول
خطر على الشرائع الإلهية وعلى كل القوانين».
شذوذ بعض المعاصرين:
ومع وضوح خطأ (الطوفي) فقد تَمَسَّك برأيه بعض المعاصرين،
وألبسوا به العلمانية ثوبًا إسلاميًّا، فجعلوا العبادات
وحدها هي الثابتة في الإسلام التي يلتزم فيها بالنصوص، أما
في غير دائرة العبادات فالباب مفتوح على مصراعيه لتعديل
النصوص وتغييرها، وحذفها وإضافة غيرها..
يقول الدكتور (النويهي) في مقالة بعنوان: (نحو ثورة الفكر
الديني):
«إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات
الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة لم يقصد
بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولا مؤقتة، احتاج لها
المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليست
بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقِّنَا بل من واجبنا أن نُدْخِلَ
عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير
الأحوال يستلزمه».
ويضيف هؤلاء المعاصرون تأييدًا لرأيهم في تغير الأحكام
الثابتة بالنص تبعًا لتغير المصالح بتغير الزمان حججًا
جديدة؛ منها: اجتهادات عمر بن الخطاب، التي يرون أنه لم
يتمسك فيها بالتطبيق الحرفي للنصوص، ومنها استبدال الشافعي
لمذهبه العراقي القديم بمذهبه المصري الجديد.
ونتناول هذه الحجج فيما يلي:
اجتهادات عمر بن الخطاب:
يقال: إن عمر بن الخطاب لم يلتزم بحرفية النصوص في عدد من
اجتهاداته، وفيما يلي اثنان من أشهرها:
1-«اجتهاد
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قطع العطاء الذي جعله
القرآن الكريم للمؤلَّفة قلوبهم كان في مقدمة الأحكام التي
قال بها عمر تبعًا لتغير المصلحة بتغير الأزمان، رغم أن النص
القرآني لا يزال ثابتًا».
ويقول النويهي عن ذلك:
«فأي شيء هذا إن لم يكن إلغاء تشريع قرآني؛ حين اعتقد أن
الظروف المتغيرة لم تعد تجيزه؟ لكن هل يجرؤ علماؤنا وكتابنا
على مواجهة هذه الحقيقة الصريحة؟».
ولكن هل صحيح أن عمر في هذه القضية غَيَّر حكمًا ثابتًا
بالقرآن؟ إن سؤالا واحدًا كفيل بوضع هذه القضية في موضعها
الصحيح، وهو هل كان يوجد مؤلفة قلوبهم في عهد عمر أم لا؟
فمن المعلوم أن مصارف الزكاة محدودة لأصناف ثمانية معروفة
أوصافهم، فإذا لم يوجد صنف منهم في أي عصر من العصور، مثل
عدم وجود صنف (في الرقاب) في هذا العصر، فكل ما يمكن أي يقال
أن مصرفًا من مصارف الزكاة موقوف حتى يوجد مَنْ يستحقه، فكل
ما فعله عمر -رضي الله عنه- هو أنه حكم بعدم وجود صنف
المؤلفة قلوبهم في عصره، وليس ذلك إلغاء لتشريع قرآني، وليس
فيه تغيير لحكم ثابت بالقرآن لتغير الزمان، فإذ وجد المؤلفة
قلوبهم في أي عصر أعطوا، وإذا لم يوجدوا لم يعطوا».
2-«اجتهاد
عمر -رضي الله عنه- عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة على
السارقين وهو قطع اليد.. وفي هذا تغيير لحكم السرقة الثابت
بنص القرآن عملا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة».
ولكن من الواضح أن عمر هنا إنما درأ الحد بالشبهة، ودرأ
الحدود بالشبهات أمر مشروع، وروى عن غير واحد من الصحابة.
ويقول ابن القيم عن ذلك: «فإن السَّنَة إذا كانت سنة مجاعة
وشدة غَلَبَ على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم
السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رَمَقَه، وهذه شبهة
قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشُّبَهِ
التي ذكرها كثير من الفقهاء».
فليس في اجتهاد عمر تغيير للنص الثابت بالقرآن استجابة
للظروف.
فقه الشافعي القديم والجديد:
ومن الأمثلة التي تساق لتغير الأحكام بتغير الظروف ما ثبت من
تغير فقه الشافعي القديم حين كان بالعراق إلى فقهه الجديد
حين انتقل إلى مصر.
وتغير فقه الشافعي من القديم إلى الجديد أمر ثابت، أما تعليل
هذا التغير بتغير الظروف فهو يحتاج إلى نظر؛ فمن المعلوم أن
الشافعي قد جمع فقهه في كتبه، وهو قد ألف أكثر هذه الكتب في
القديم، ثم حين أعاد تأليفها في الجديد كان يأمر بتمزيق
الأولى التي حَوَتْ اجتهاداته القديمة والتي تغير رأيه فيها،
وفوق ذلك فقد روى البيهقي عنه أنه كان يقول: «لا أجعل في حل
من روى عني كتابي البغدادي» وكتابه البغدادي هو المشتمل على
مذهبه القديم،
فلماذا هذا التشدد في نسخ آرائه القديمة وسعيه لإماتتها؟
لا يبدو من ذلك أن السبب في تغير اجتهاداته تغير ظروف مصر عن
ظروف العراق؛ لأن الأمر لو كان كذلك لأجاز للناس رواية ونقل
مذهبه العراقي، ولكن تشدده في نسخه وسعيه لإماتته كأنه لم
يقله دليل على أنه اكتشف أخطاء في اجتهاده القديم، لهذا أحب
ألا ينقل عنه رأي خطأ. وإعادته النظر في آرائه القديمة وتغير
اجتهاده فيها أمر عادي بسبب زيادة علمه وخبرته لا بسبب تغير
الظروف.
ويقول أحد أشهر تلامذته وهو الإمام أحمد بن حنبل عن كتبه
القديمة والجديدة التي حوت (فقهه القديم والجديد): «عليك
بالكتب التي وضعها بمصر؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم
يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك».
ولعل استقراء المسائل التي تغير اجتهاده فيها هي أفضل وسيلة
لمعرفة ما إذا كان للظروف أثر في ذلك التغير، ولا أعلم مسألة
واحدة يمكن أن يقال أن لتغير الظروف بين مصر والعراق أثر في
تغير رأيه فيها.
رأي الإمام ابن القيم في تغير الأحكام:
عقد الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) فصلا عن
(تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات
والعوائد) وقد حمل سوء الفهم لهذا الفصل بعض الناس فجعل رأي
ابن القيم ورأي الطوفي سواء،
ولكن الدارس لرأي ابن القيم من الأمثلة التي ساقها يتضح له
أنه لا فرق بينه وبين رأي سائر الفقهاء في إثبات تغير
الأحكام في دائرة المسائل التي سكتت عنها النصوص، أما في
دائرة النصوص فالأحكام ثابتة، إلا إذا دَلَّ النص نفسه على
تغيرها.
وقد أورد ابن القيم عددًا من الأمثلة لتغير الحكم، وكل
أمثلته تدور على الحالات الآتية:
1-
الحالة التي يثبت تغير النص فيها نَصٌ آخر نهى النبي
صلى الله عليه وسلم
أن
تقطع الأيدي في الغزو، فتعطيل الحد هنا في هذا الظرف ثابت في
نص آخر.
2-
الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص،
ومثالها: ترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه.
3-
حالة يستعمل فيها القياس وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها
التي تثبتها النصوص، ومن أمثلة ذلك أن النص جعل صدقة الفطر
في أصناف مخصوصة، فقياس عليها أمثالها من الأصناف التي تصلح
أن تكون قُوتًا في البلاد التي لا يوجد فيها الأصناف التي
حددها النص.
4-
حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة، ومثالها:
صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج، مع أن
بعض النصوص يفهم منها عدم صحة ذلك في الأحوال العادية.
5-
الحالات التي تتغير فيها عبارات العقود والأيمان والطلاق
والنفور، تبعًا لتغير العُرْف والعادة في ذلك.
وليس من أمثلة ابن القيم مثال واحد لتقديم المصلحة على النص.
أحكام النصوص ثابتة:
ومن هذه المناقشات كلها لا نجد دليلا واحدًا يؤيد رأي
(العصرانية) فيما تحاوله من فتح الباب لتغيير النصوص، بل إن
الأحكام في دائرة النصوص أحكام ثابتة إلى يوم الدين لا
تستطيع هيئة تشريعية أن تعدل فيها أو تغيرها.
لا كهنوتية في الإسلام.. ولكن!!
ينادي (سيد خان)
وأمثاله من (العصرانيين) بفتح أبواب الاجتهاد، وبإتاحة حرية
واسعة في الاجتهاد حتى للأفراد العاديين، ولو أدى ذلك إلى
فوضى فكرية.
وهكذا نشأت في أيامنا وجهة جديدة للتفكير تقول أن لا كهنوتية
في الإسلام، فليس للعلماء مِنَ اختصاص بالقرآن والسنة
والشريعة؛ حتى يكون لهم وحدهم الحق في التعبير عنها، بل
المسلمون جميعًا يتمتعون بهذا الحق معهم، وما عند العلماء من
حجة تجعل آراءهم أرجح مِنْ آرائنا، وأقوالهم أكثر وزنًا من
أقوالنا في أمر الدين.
«.. ولعمر الحق أنه لو تركت صورة الجهل على حالها تشتد وتثور
لا يبعد أن يقوم غدًا رجل مِنَّا فيقول أن لا قضاء في
الإسلام، فيجوز لكل أحد من الناس أن يدلي برأيه في القانون،
ولو لم يكن يعرف منه الألف والباء.. ويقوم بعده رجل آخر يقول
ويعلن أن لا هندسة في الإسلام، فمن حق كل رجل أن يتكلم في
الهندسة، ولو لم يكن على أدنى معرفة بمبادئها. ثم يقوم بعده
رجل ثالث ويعلن أن ليس هناك مِنْ حاجة إلى حذق مهنة الطب،
فيشرع في معالجة المرضى ومداواتهم من غير أن يكون على صلة
بالطب ».
«.. نعم لا جرم أنه لا كهنوتية في الإسلام، ولكن هل يعلم
هؤلاء أن اليوم ما معنى ذلك؟ إنما معناه أن الإسلام ليس
كاليهودية؛ حتى ينحصر فيه علم الشريعة والقيام على الخدمات
الدينية في وسط من الأوساط، أو قبيلة من القبائل ولم يفرق
فيه - كما في المسيحية - بين الدين والدنيا للقياصرة، ويكون
الدين للرهبان والأحبار، ولا ريب – كذلك – أن لا اختصاص لأحد
بتفسير القرآن والسنة والشريعة، وأنه لا ينحصر العلماء في
سلالة أو أسرة معينة من الأسر، فلا يكون إلا لأفرداها
يتوارثونه كابرًا عن كابر، ولهم وحدهم أن يتحدثوا باسم
الدين، ويجتهدوا في تعاليمه دون سائر المسلمين، فكما أنه من
الممكن لكل أحد مِنَ الناس أن يكون محاميًا إذا درس القانون،
أو مهندسًا إذا درس الهندسة، أو طبيبًا إذا درس الطب فكذلك
يجوز في الإسلام لكل فرد من أفراد المسلمين إذا درس القرآن
والسنة، وصرف جانبًا من أوقاته وجهوده في تلقي علمها أن
يتكلم في مسائل الشريعة... وهذا هو المعنى الصحيح المعقول؛
أن يكون هناك معنى لانعدام الكهنوتية في الإسلام».
«ليس معناه أن الإسلام كالألعوبة في أيدي الأطفال، يجوز لكل
مَنْ شاء للناس أن يعبث بأحكامه وتعاليمه، ويصدر فيها آراءه،
كما هو الشأن في أقضية أعلام المجتهدين وفتاواهم، ولو لم يكن
قد بذل أدنى سعي في فهم القرآن والسنة والتبصر فيهما، وإذا
لم يكن مقبولا ولا معقولا أن يدعي المرء أنه مرجع في أمر من
أمور الدنيا من غير علم به، فما بالنا إذن نقبل في أمر الدين
هؤلاء القوم الذين يتكلمون فيه من غير معرفة بأصوله
ومبادئه».
نقد فقه العصرانية
أنتجت آراء العصرانية الأصولية وموقفها من الحديث وموقفها من
التفسير فقهًا متميزًا، يهدف في معظمه إلى تبرير الواقع
المعاصر، وإدخال كثير من القيم الغربية في صُلْبِ الإسلام.
وقد مرت بنا أمثلة كثيرة من هذا الفقه في الفصلين الثاني
والثالث. ولا يتسع المقام هنا لنقد كل تلك المسائل التفصيلية
من هذا الفقه، ولكننا نعرض هنا بعض آراء المعاصرة عن بعض
المسائل التي تشغل بال (العصراينة) في مجال المرأة والحدود
والجهاد، وتعرضها مِنْ وجهة نظر مدرسة التجديد السُّنِّي
المعاصرة، وبأحد أقلامها المشهورة؛ قلم المودودي.
حدود نشاط النساء في الدولة الإسلامية
ليس للدولة الإسلامية أن تعمل شيئًا في أمر من أمور الدنيا
بالعدول عن مبادئ الإسلام وأحكامه، وليس لها أن تفكر في ذلك
إذا كان القائمون بأمرها أناسًا يؤمنون بالإسلام، ويتبعون
مبادئه وأحكامه عن صادق العزيمة وخالص النية. ومن أحكام
الإسلام فيما يتعلق بأمر النساء أن المرأة تساوي الرجل في
الكرامة والشرف والاحترام، كما لا فرق بينهما باعتبار
المستوي الخلقي، ولا باعتبار الأجر والمثوبة في الآخرة، ولكن
ليس لنشاطهما دائرة واحدة؛ فالسياسية وإدارة الحكومة
والخدمات العسكرية وما إليها من الأعمال لا علاقة لها إلا
بالرجل، ولن يكون من نتيجة إقحام المرأة في هذه المجالات سوى
أن تنهار حياتنا العائلية بمعنى الكلمة، وهي حياة تتحمل معظم
تبعاتها المرأة، أو أن نحملها أثقالا مضاعفة؛ حيث أنها تقوم
بواجباتها الفطرية – وهي واجبات لا قِبَل للرجل بمشاركتها
فيها أبدًا – مع تحملها شطر واجبات الرجل. أيضا، وبما أن
ليست الصورة المؤخرة الذِّكْر بميسورة فعلا، فلا بُدَّ أن
تواجهنا الصورة المقدَّمة الذكر، وهي التي قد واجهها الغرب
في إقحام المرأة في دائرة نشاط الرجل، فليس مِنَ العقل في
شيء أن نحاكي غيرنا في سفاسف الأمور.
والإسلام من حيث المبدأ عدو للبيئة الخليطة بالرجال والنساء.
ولا نظام في الدنيا يرحب بها ويرضى بها، إن كان في نظره أدنى
أهمية لتماسك نظام الأسرة. وقد ظهر للمجتمع المختلط في بلاد
الغرب أشنع وأقذر ما يكون من النتائج، أما إذا كان الناس في
بلادنا يجدون من نفوسهم استعدادًا لمكابدة هذه النتائج
فليكابدوها بكل فخر وسرور ولا حرج، ولكن ما لهم يريدون
للإسلام أن يجعل لهم رُخَصًا في أعمال ينهي عنها بكل تأكيد،
وإذا كان الإسلام قد كلف النساء خدمة الجرحى في الحرب، فليس
معنى ذلك أن للمسلمين أن يخرجوهن إلى المكاتب والمعامل
والنوادي والمجالس النيابية حتى في حالة السلم. ومن المحال
أن يكون التوفيق حليف النساء إذا ما اقتحمن دائرة نشاط
الرجال وسابقنهم في أعمالهم؛ وذلك أن الله ما خلقهن لإنجاز
هذه الأعمال، وإنما الرجل هو الذي قد أعطاه الله ما يحتاج
إليه من الصفات الخلقية والمواهب الفكرية للقيام بهذه
الأعمال، إذا استطاعت المرأة - على سبيل الافتراض - أن تبرز
في نفسها حفنة من هذه الصفات والمواهب بالرجولة المصطنعة،
فإن أضرارها الجسيمة المضاعفة لا بد أن تعود على نفسها وعلى
المجتمع أيضًا؛ أما مضرتها على نفسها فهي أنها لا تنسلخ من
أنوثتها تمامًا، ولا تدخل في الرجولة تمامًا، وتبوء بالفشل
في دائرة نشاطها التي ما فطرت إلا لها، وأما مضرتها على
المجتمع فهي أنه يجد لمختلف أعماله عمالا غير أكفاء، بدلا من
أن يجد لها عمالا أكفاء، كما تفسد خصائص المرأة ومزاياها
التي نصفها أنوثية ونصفها رجولية الحياة السياسية
والاقتصادية.
ولا يمانع الإسلام مِنْ تعليم المرأة، بل الذي يؤكد عليه
الإسلام أن تتحلى المرأة بأعلى ما يكون من التعليم والتربية،
ولكن بشروط.
أولها: أن تدرس بصفة خاصة علومًا تجعلها صالحة للقيام بعملها
في دائرة نشاطها، وعلى أمثل وجه وأكمله، وألا تكون ثقافتها
عين ثقافة الرجل.
وثانيها: ألا تكون ثقافتها في معاهد مختلطة بالرجال والنساء،
وإنما تكون في معاهد خاصة بالنساء، وقد ظهرت النتائج الموبقة
للتعليم المختلط في البلاد الغربية الراقية، ولا يكابر فيها
الآن إلا مَنْ أصيب بعمى القلب والبصيرة.
ثالثها: أن تشغل الفتيات المثقفات في مؤسسة خاصة بالنساء
كالمدارس والكليات والمستشفيات مثلا.
تقييد الطلاق وتعدد الزوجات
للمرأة المسلمة أن تخالع زوجها؛ أي تطلب منه الطلاق على
الفدية عن طريق القضاء الإسلامي، ولها كذلك أن تتحصل من
المحكمة حكمًا بفسخ زواجها أو التفريق بينها وبين زوجها بشرط
أن يكون لديها من الأسباب ما يبيح لها شرعًا أن ترجع إلى
المحكمة وتحصل منها على الحكم بإحدى الصورة المذكورة آنفًا.
وأما الطلاق فقد جعله القرآن من حقوق الرجل بكلمات صريحة،
ولا لقانون أن يتدخل في حقه هذا. أما أن تأتي هيئة من هيئات
المسلمين التشريعية وتبيح لنفسها أن تضع قوانين مخالفة
للقرآن باسم القرآن نفسه فهذا أمر آخر، وتاريخ الإسلام منذ
عهد الرسالة إلى قرنه الحاضر ما عرف الفكرة القائلة بجواز أن
ينتزع حق الطلاق من الرجل، أو تتدخل فيه محكمة أو مجلس
التحكيم...
والحقيقة أن هذه الفكرة استوردت إلى بلادنا من أوربا رأسًا،
ولم يحدث قط أن تفكر مورِّدو هذه النظرية فيما كان لقانون
الطلاق هذا خلفية أو سياق تاريخي في أوربا، وما ظهر له في
حياة الغرب من نتائج موبقة. وسيعلمون قريبًا عواقب تحريفهم
في أحكام الله حين تخترق فضائح حياتهم العائلية جدران
بيوتهم، وتنزل إلى الشوارع والأسواق، وتشحن بها صفحات
الجرائد والمجلات.
كما أن ليست فكرة منع الرجل من الزواج بأكثر من واحدة إلا
بضاعة أجنبية استوردت إلى بلادنا برخصة مزورة منسوبة إلى
القرآن، وقد جاءت من مجتمع إذا اتخذ فيه الرجل - على وجود
زوجته المشروعة – امرأة أخرى خليله له، فلا تستحق هذه
الخليلة أن يتحمل وجودها فحسب؛ بل تستحق حفظ حقوق أولادها
غير الشرعيين أيضًا. (وما مثال فرنسا في هذا الباب ببعيد
عنا، ولكنه إذا تزوج بها فقد خالف القانون واقترف جريمة لا
تغتفر. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القيود بأسرها
تُفْرِضُ على الحلال لا على الحرام».
الدليل على حد الرجم:
إن الحد الذي قد قُرِّرَ في سورة النور للزنا، إنما هو حد
الزنا المطلق، وليس بحد للزنا بعد الإحصان – أي ارتكاب الزنا
بعد التزوج – الذي هو أشد وأغلظ من الزنا المحض في نظر
القانون الإسلامي. والله -تعالى- يشير في سورة النساء إلى
أنه لا يقرر في سورة النور هذا الحد إلا للزنا الذي يكون
كلٌّ مِنْ مرتكبيه غير متزوج. فقد قال أولا في سورة النساء:
(
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنْكُمْ فَإِن
شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى
يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ
سَبِيلاً
) (النور: 15)
ثم قال بعده بيسير(
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ
الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ
أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ
فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ
مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا
أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ
خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
)(النور: 25)
فالآية الأولى تتضمن التوقع لحكم من الله سينزله في المستقبل
لعقوبة الزانيات اللاتي يأمر الآن بإمساكهن في البيوت. ونعلم
بذلك أن هذا الحكم الأخير الذي جاء في (سورة النور) هو الحكم
ـ أو السبيل ـ الذي كان وعد به الله -سبحانه وتعالى- في سورة
النساء. وفي الآية الثانية جاء بيان حد الزانية من الإماء
المتزوجات، وكما قد جاءت لفظة المحصنات في آية واحدة وسياق
الكلام بعينه مرتين، فلا بد أن يكون معنى المحصنات واحدًا في
الموضعين.
فإذا نظرت الآن في بدء الجملة حيث قيل: +ومن لم يستطع منكم
طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات" علمتَ أن ليس المراد
بالمحصنة في هذه الآية امرأة متزوجة، بل امرأة حرة غير
متزوجة. وقيل في ختام الجملة: إن الأمة إذا أتت بفاحشة ـ أو
زنت ـ فعقوبتها نصف عقوبة المحصنة، والذي يدل عليه سياق
الكلام؛ أن المراد بالمحصنة في هذه الجملة نفس المعنى المراد
في الجملة السابقة؛ أي: «امرأة حرة غير متزوجة، ولكن محصنة
بعفافها وحفظ أسرتها». فهاتان الآيتان معًا تشيران إلى حكم
أن حد الزنا في سورة النور -وهو الذي كان الوعد جاء به في
سورة النساء- إنما يبين حد الزاني والزانية غير المتزوجين.
أما ما هو الحد للزنا بعد الإحصان بالزواج، فهذا أمر لا
نعرفه من القرآن بل نعرفه من سنة الرسول
r؛
فقد ثبت بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة أن النبي
r
ما اقتصر على بيان حد الزنا للمتزوجين والمتزوجات بأقواله
فحسب، بل قد أقام هذا الحد فعلا في غير واحدة من الأقضية
المرفوعة إليه وهو الرجم. ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون
-رضي الله عنهم- في عهودهم، وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد
ـ أي العقوبة القانونية ـ للزنا بعد الإحصان. والرجم
باعتباره حد للزنا بعد الإحصان ما زال أمرًا مجمعًا عليه بين
الصحابة والتابعين، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولا يدل على
أنه كان في القرن الأول رجل له الشك في كون الرجم من الأحكام
الشرعية الثابتة. ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر
مجمعين على كونه سنة ثابتة بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد
من أهل العلم أن يشك في صحتها.
ولم يخالف الجمهور في هذه القضية إلا الخوارج وبعض المعتزلة،
على أنه ما كان الأساس لمخالفتهم أن يكونوا قد شخصَّوا ضعفًا
في ثبوت حكم الرجم عن النبي
r،
وإنما قالوا: إن الرجم باعتباره حدا للزاني المحصن مخالف
للقرآن، والحقيقة أن ليس ذلك إلا لخطأ فهمهم للقرآن. قالوا:
إن القرآن يبين مئة جلدة حدًّا عامًّا لكل زانٍ وزانية، فليس
تخصيص الزاني المحصن من هذا الحكم العام إلا مخالفة للقرآن،
ولكنهم ما تنبهوا إلى أن الوزن القانوني الذي هو لألفاظ
القرآن هو نفسه لشرحها الذي يبينه النبي
r
بشرط ثبوته عنه.
ألا ترى أن القرآن قد جاء بمثل هذه الألفاظ المطلقة عندما
بَيَّنَ حدَّ السارق فقال: (
السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
)
(المائدة: 38)،
ونحن إذا لم نجعل هذا الحكم مقيدًا بما ثبت عن النبي
r
مِنْ شرحه، فمن عين ما يقتضيه عموم هذه الألفاظ أن نحكم
بالسرقة على كل مَنْ سرق إبره أو تفاحة ـ مثلا ـ فنقطع يده
بل يديه إلى منكبيه، وبالجانب الآخر كل مَنْ سرق ولو آلافًا
من الجنيهات، ثم تظاهر بالتوبة وإصلاح النفس، فعلينا أن
نتركه ولا نمسه بسوء؛ لأن القرآن يقول بعد بيانه حد السارق
والسارقة: (
فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ
يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (المائدة:
39)
وكذال فإن القرآن إنما يبين حرمة الأم والأخت من الرضاعة،
فيجب أن تكون حرمة البنت من الرضاعة مخالفة للقرآن بموجب هذا
الاستدلال. والقرآن إنما ينهي عن الجمع بين الأختين، فمن قال
بحرمة الجمع بين العمة وبنت أخيها أو الخالة وبنت أختها يجب
أن نحكم عليه بمخالفة القرآن. والقرآن إنما يحرم على المرء
ربيبته إذا كانت قد تربت في حجره، فيجب أن تكون حرمتها
المطلقة مخالفة للقرآن. والقرآن إنما يأذن في الرِّهَان إذا
كان الرجل على سفر ولم يجد كاتبًا، فيجب أن يكون جواز الرهان
في الْحَضَر ومع وجود الكاتب مخالفة للقرآن. والقرآن يقول
بكلمات عامة (
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ
) فيجب أن يحكم بالحرمة على البيع والشراء الذي يتم في
أسواقنا ليل ونهار بغير الشهود لكونه يخالف القرآن.
فهذه بعض أمثلة إذا سرحت فيها النظر تبين لك الخطأ في
استدلال الذين يقولون: إن حكم الرجم للزاني المحصن مخالف
للقرآن.
والحق أن منصب الرسول في نظام الشريعة -الذي لا مجال فيه
للريب والمكابرة- هو أن يبلغنا أحكام الله –تعالى- ثم يبين
لنا مقتضياتها ومقاصدها والطرق للعمل بها، والمعاملات التي
تنفذ فيها، والمعاملات التي لها أحكام أخرى. وإنكار هذا
المنصب ليس بمخالفة لأصول الدين فحسب، بل هو مستلزم ـ كذلك ـ
لمصاعب ومفاسد لا تكاد تحصى.
لا مساغ لتقسيم الجهاد إلى الهجومي والدفاعي
إن ما اصطلحوا عليه اليوم من تقسيم القتال الهجومي والدفاعي
لا يصح اطلاقه على الجهاد الإسلامي البَتَّه، وإنما يصدق هذا
المصطلح على الحروب القومية والوطنية فقط؛ لأن هاتين
الكلمتين المصطلح عليهما لا ينطق بهما، وما جرى استعمالهما
إلا بالنسبة إلى قُطْرٍ مخصوص أو أمة بعينها. وأما إذا قام
حزب عالمي مستند إلى فكرة انقلابية شاملة، لا تفرق بين أمة
دون أمة، ولا تخص قُطْرًا دون قطر، يدعو جميع الأمم والشعوب
على اختلاف أجناسها ولغاتها إلى فكرته ومنهاجه، مفتوحة
أبوابه لكل مَنْ يريد المشاركة في بث تلك الدعوة، ونشر تلك
الفكرة، ولا يسعى إلا وراء القضاء على الحكومات الجائزة
المناقضة لمبادئ الحق الخالدة، وإقامة حكومة صالحة مؤسس
بنيانُهَا على قواعد الحق والعدل التي يؤمن بها ويدعو إليها،
أما إذا كان الأمر كذلك فلا مجال في دائرته البتة لِمَا
اصطلحوا عليه من نوعي القتال الهجومي والدفاعي.
وكذلك إذا نظرنا في المسألة -بصرف النظر عن هذا المصطلح
الشائع- تبين لنا أنه لا ينطبق هذا التفسير ـ إلى الهجومي
والدفاعي ـ على الجهاد الإسلامي بحال من الأحوال؛ فإن الجهاد
الإسلامي إذا أردت الحقيقة هجومي ودفاعي معًا؛ هجومي لأن
الحزب الإسلامي يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ
المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها ولا يتحرج في استخدام
القوى الحربية لذلك. وأما كونه دفاعيًّا، فلأنه مضطر إلى
تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها؛ حتى يتسنى له العمل وفق
برنامجه وخطته المرسومة.
وغير خافٍ عليك أن الإسلام حزب، فليس من هذه الوجهة دار
محدودة بالحدود الجغرافية يذود عنها ويدافع عنها، وإنما يملك
مبادئ وأصولا يَذُبُّ عنها ويستميت في الدفاع عنها. وكذلك لا
يحمل على دار الحزب الذي يعارضه ويناقضه، وإنما يحمل ويصول
على المبادئ يتمسك بها، ولا يغِيبنَّ عن بَالِك أنه لا يريد
بهذه الحملة أن يُكْره مَنْ يخالفه في الفكرة على ترك
عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام، وإنما يريد الحزب الإسلامي
أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة،
حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، ولا تكون فتنة ويكون الدين
لله.
( المرجع : مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص
259-280).
|