الشبهة(6): قولهم بتغيرالأحكام الشرعية بتغير الزمان !

والجواب :

قال الدكتور عابد السفياني – حفظه الله - : ( يكثر الكلام عند بعض الباحثين على أن هناك قاعدة شرعية اسمها «تغير الأحكام بتغير الزمان» ويقصدون بعض([1]) الأحكام المتصلة بالمعاملات دون العبادات، والتغير أوجبه عندهم تغير المصالح والأعراف والعادات.

فالأحكام الشرعية المتصلة بمعاملات الناس وعاداتهم وأعرافهم جاءت لتحقق مصالح معينة، وهذه المصالح تتغير في كثير من الأحيان بسبب تغير الزمان، وحينئذ ينبغي - كما يرى أصحاب هذا الرأي - أن تتغير تلك الأحكام ما دام قد تغيرت مصالحها، ومن هنا وضعوا تلك المقالة وسموها قاعدة.

وفي هذا الفصل نحدد موضع النزاع بيننا وبينهم ونحرره وخاصة أنه شديد الالتباس، واهتم بعد ذلك بتصوير رأي المخالفين وذكر مستندهم ومناقشتهم مع تتبع كثير من التطبيقات التي هي موضع النزاع وبيان وجه الصواب في تفسيرها، وبذلك أصل إلى تحديد حجم هذه المقالة وما فيها من حق أو باطل، وسأحاول الوصول إلى المقصود دون إغراق البحث بالتفصيلات التي لا حاجة لنا بها.

المطلب الأول : تحرير موضع النزاع

  المقصود «بالتغير» في الحكم الشرعي هو انتقاله من حالة كونه مشروعًا فيصبح ممنوعًا، أو ممنوعًا فيصبح مشروعًا باختلاف درجات المشروعية والمنع.

فهذه حادثة حكمها الشرعي المنصوص عليه أو المستنبط كذا، ثم تصبح في زمن آخر تحت حكم مخالف للحكم الأول، هذا هو جملة ما يصوره البحث عند المطلقين لتلك القاعدة أو المقيدين لها. ([2])

وإلى هنا يبقى كثير من اللبس في تحرير موضع النزاع، أكشف عنه بإضافة أمر مهم جدًا ألا وهو النظر في تلك الحادثة التي تغير حكمها هل هي في الحالين سواء؟ هل الحادثة التي أخذت الحكم الأول ثم أخذت الحكم الثاني هي هي بالخصائص نفسها وبجميع الملامح والاعتبارات والحيثيات أم أنها تختلف في خصائصها.. من حالة إلى حالة؟.

وبالجواب عن هذا السؤال ينكشف لنا اللبس الذي أحاط بهذه القضية حتى كثر فيها القول وتشعب.

إن تلك الحادثة التي تغير حكمها إما أن تكون هي هي عند تغير الحكم بجميع خصائصها والحيثيات التي تكتنفها، وإما إن تختلف في بعض خصائصها وحيثياتها.

فإن كانت الأولى فنحن ننازع أشد المنازعة في تغير حكمها لأن ذلك هو النسخ والتبديل المنهي عنهما كما سيأتي بيانه، وإن كانت الثانية فليست في موضع النزاع، لأنها حينئذ حادثتان متميزتان من حيث خصائصهما والاعتبارات التي تحفهما وحادثتان لهما حكمان ليس غريبًا ولا عجيبًا، ولا يقال له تغيّر ولا تبدل.

فإذا خرجت الثانية عن موضع البحث رجعنا لدراسة الأولى، وهي أساس القول ومحل النزاع والدعوى التي عنون لها أصحابها بقولهم: «تغيّر بعض الأحكام بتغير الزمان» ومقصدهم حادثة وواقعة لها حكم منصوص عليه أو مستنبط تغير حكمها في وقت آخر والحادثة هي الحادثة بجميع خصائصها واعتباراتها.

فإن قيل كلا لا يتغير حكمها إن لم تتغير خصائصها واعتباراتها، قتل: فإذا تغيرت خصائصها واعتباراتها أصبحت حادثتين لا حادثة واحدة وهذه لا ينازع في اختلاف حكمها أحد البتة.

ونرجع مرة أخرى لمحل النزاع وننظر في أدلة القائلين بالتغير بعد تصوير مذهبهم.

وإنما قدت بهذه المقدمة رجاء أن تحدد نقطة البحث ويمسك القارئ القضية من أول خيط فيها، ونضرب مثالاً يوضح المقصود، فأقول: قتل زيد خالدًا عمدًا عدوانًا فحكم هذه الحادثة أن زيدًا عليه القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم، تكررت هذه الحادثة بين رجلين آخرين بالصورة نفسها في أي عصر من العصور، يكون حينئذ الحكم هو القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم.

فها هنا حادثتان بخصائص واحدة تحفهما اعتبارات واحدة أخذت حكمًا واحدًا، لا سبيل لتغييره أبدًا.

خذ الحادثة بطرفيها القاتل والمقتول وافرض وقوعها مرة أخرى لكن بدون عمد ولا عدوان، بل خطأ، يختلف الحكم حينئذ فلا قصاص بل دية مسلمة، ولكن الحادثتين ها هنا مختلفتان فاختلف حكمهما، في الأولى قصاص إن لم يعفوا أولياء الدم، وفي الثانية لا قصاص بل دية مسلمة إلى أولياء الدم إلا أن يصدقوا، فلا عجب إذن أن يكون لحادثتين تختلف خصائصهما حكمان مختلفان، وإن كانت الصورة بادئ ذي بدء تبدو واحدة([3]).

وهذه ليست في محل النزاع قطعًا، لأنه لا ينازع أحد فيها على الإطلاق، فحادثتان- وإن كانتا في الصورة واحدة- لكنهما في الجوهر مختلفتان – طبيعي أن يختلف حكمهما.

ونعود مرة أخرى لتحديد موضع النزاع فأقول: إن تغير حكم الحادثة إذا تغير جوهرها وأصبح لها خصائص مغايرة لطبيعتها الأولى أمر طبيعي لا ينبغي أن ينازع فيه أحد.

ويبقى النزاع في تغير حكم الحادثة التي لم يتغير جوهرها ولا شيء من خصائصها وحيثياتها.

نقول هذا ونؤكد عليه لأن هناك خلطًا بين هاتين القضيتين لا يمكن أن نخلص من آثار السلبية إلا أن ندخل في دراستنا لهذه المسألة من هذا المدخل وحينئذ نستطيع أن نفرق بين حكم الحادثة الواحدة ذات الخصائص والحيثيات الواحدة، وإن مرت عليها عصور متتابعة- ونجزم بأن حكمها الأول في العصر الأول ينبغي أن يكون هو حكمها نفسه في العصور الأخرى، لأن شيئًا من خصائصها وحيثياتها لم يتغير، وإذا أردنا أن نغير حكمها من المشروعية إلى المنع علمنا أنه لابد لنا من القول بالنسخ، والنسخ ليس لأحد من البشر، وإنما الذي ينسخ الأحكام هو الشارع، وقد انقطع بعد انقطاع الوحي، وبهذا نستطيع أن نفرق بين هذه الصورة – وبين الصورة الأخرى وهي انتقال الحادثة في الزمن الأول – لتصبح ذات خصائص أخرى تختلف عن خصائصها الأولى وهذه يختلف حكمها ويتغير لأن الأولى تعتبر حادثة مستقلة لها حكم خاص وذلك مثل حكم المؤلفة قلوبهم، وهو نفر من الناس لم يستقر الإيمان في قلوبهم، جعلت الشريعة لهم حقا في مال الصدقة، يتألفهم الإمام به، ليثبتوا على الإسلام فَيُسْلِم من ورائهم ويَسْلَم المسلمون من فتنتهم وشرهم، وهذا المعنى لا يخاف منه إلا عند ضعف الإسلام وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم، فالنص يوجب إذا إعطاء هؤلاء المؤلفة لهذا المعنى، فيأتي الإمام ليطبق هذا المعنى فيجد أمامه حالتين:

الأولى: حالة ضعف الإسلام، وقوم يحتاجون لهذا التأليف.

الثانية: حالة قوة الإسلام، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة قلوبهم.

فيطلق حكم الله على الحالة الأولى فيعطيهم سهمهم، ويطبق حكم الله على الحالة الثانية فلا يعطيهم لأنهم ليسوا ممن أمر الله بإعطائهم، وهذا ما يسميه العلماء تحقيق المناط([4]).

فهما إذا حادثتان لكل حادثة حالة خاصة تحتاج إلى حكم خاص ثابت لها لا يتغير، وحادثتان لهما حكمان كما قلنا ليس غريباً ولا عجيباً، وكلا الحكمين من الشرع.

ومن خلال هذا التحليل ينكشف لنا خطأ من أراد أن يفرق بين التغيير والنسخ([5])، حيث جعل النسخ حق الشارع، وقد انقطع بانقطاع الوحي، وعلل ذلك بأنه قد يكون النسخ إلى غير بدل، وأما التغيير فيكون إلى بدل، وفرق آخر وهو أن النسخ يمكن أن يكون في جوانب متعددة في الشريعة، وأما التغيير فمحصور في بعض الجوانب كالمعاملات ونحوها، وذلك لأن التغيير هنا يكون سببه تغير المصالح والأعراف والعادات، فإذا انقطع النسخ لا ينقطع التغيير.

وبمراجعة ما تقدم ذكره يتبين أن هذا التفريق لا ينبني عليه فقه ولا يحمل شيئاً من الصحة.

وندلل على ذلك بما يلي إضافة لما ذكرته آنفاً:

1- أن التغير عند المؤلف هو التبديل والتحويل([6])، والنسخ هو التبديل، أي تبديل الحكم الأول بحكم آخر، فالمشروع يُجعل ممنوعاً والممنوع مشروعاً، أو نسخه مطلقاً إلى غير بدل، وهذا تغيير لصفته الشرعية، فبعد أن كان شرعاً صار غير ذلك، فمن جهة المعنى الأصلي لهما لا تجد كبير فرق بينهما.

وقد جعل المؤلف التغيير مضمونه «عبارة عن ترك الحكم الأول إلى الحكم الثاني»([7]).

2- ما سبق وقد ذكرته من أن تغير خصائص الحادثة لتغير الأزمنة إنما هو عبارة عن تجدد حادثة أخرى غير الحادثة السابقة، وحادثتان لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً كما أسلفت ولا يسمى ذلك نسخاً ولا تغييراً.

أما أنه لا يسمى نسخاً فظاهر ذلك أن النسخ هو رفع حكم الحادثة نفسها أما إلى بدل- والحادثة هي الحادثة- وأما إلى غير بدل.

وأما أنه لا يسمى تغييراً  في الحكم فظاهر أيضاً لأن حكم تلك الحادثة نفسها لم يتغير كما قلنا في مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم، وإنما الذي تغير هو طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة لها حكم جديد، ولا يقال هنا تغير في الحكم، وإنما يقال تغير في طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة، فالمجموع حادثتان مختلفتان فيكون لهما حكمان مختلفان.

ولم يبق سوى هاتين الصورتين:

* إما أن تكون الحادثة هي هي مع اختلاف الأزمان فلا يمكن تغير حكمها إلا بالقول بالنسخ ولا سبيل إلى ذلك.

* وإما أن تكون الحادثة في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم واختلاف حكمهما حينئذ لا يقال له نسخ ولا تغيير، وهنا يتضح ما قلته أن مقابلة النسخ بالتغيير لا ينبني عليه فقه، والقول بأن النسخ قد انقطع والتغيير لم ينقطع لأن هناك فروقًا بينهما ليس صحيحًا.

ومن هنا يتبين موضع النزاع وهو الصورة الأولى والتغيير فيها هو النسخ والتبديل المنهي عنهما.

وأما الصورة الثانية فليست في موضع النزاع ولا ينبغي أن تقترب منه.

وبهذا يتضح لنا السبيل ونحن ندرس هذه المسألة الخطيرة في الدين.. ونستطيع أن نعلم السبب في عدم التفات فقهاء السلف إلى أمثال هذه المقالة، التي أسماها بعض الباحثين «قاعدة»، ذلك أنهم من الفقه والبصيرة، بحيث لا يلتفتون إلى القول بالتغير، لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخًا وتبديلاً وهذا ليس لأحد من البشر، وإما أن لا يكون تغيرًا ولا نسخًا ولا تبديلاً، وإنما هو اختلاف وقائع وتحقيق مناط، ومن هنا نبدأ مناقشة هذه المقالة، لنتعرف على صحة القول بتغير الأحكام بتغير الزمان، وننظر هل هو قاعدة شرعية، وما هو موقف فقهاء الصحابة وفقهاء السلف منها ونقدم لذلك بذكر أسباب التغير عند هؤلاء الباحثين، ثم بعد ذلك نفصل القول في تصوير حقيقة هذه المقالة، ونعتمد في ذلك على أهم الكتب التي انتصرت لها، ثم نناقش ذلك ونتبعه بمناقشة بعض الباحثين فيما نسبوه إلى الإمامين الجليلين ابن القيم والشَّاطـِبي.

المطلب الثاني : أسباب التغير وتصوير مذهب المخالفين:

 

التغير عندهم سببه تغير المصالح والأعراف([8])  والعوائد([9])

وقبل أن أتحدث عن صلاحية هذه الأسباب لتغير الأحكام يحسن بي أن أصور مذهب المخالفين.

تصوير مذهب المخالفين:

يرى بعض الباحثين المحدثين أن الصحابة عللوا الأحكام سواء بالعلل المستنبطة أو المنصوص عليها، وعملوا بالمصلحة والحكمة- وهي ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر، ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة وكان من نتيجة تعليلهم هذا أن غيروا بعض الأحكام تبعًا لتغير المعنى الذي لأجله شُرع الحكم وفي هذا رد على من منع تبدل الأحكام بتبدل المصالح، ووقف عند المنصوص، وإن أصبح لا يحصل المقصود منه أو لحق الناس من أجله الحرج والمشقة.

والسر في ذلك – والله أعلم – أن أصحاب رسول الله نظروا إلى الشريعة في مجموعها، ملاحظين مبادئها العامة، وقواعدها الشاملة كلها في آن واحد، فلم يجمدوا، وأما هؤلاء المانعون([10])  فنظروا إلى النصوص الجزئية مفككة كأن كل واحد منها جاء بشرع أبدي لا يتغير، ولكن الأمر الذي لا يغفل عنه هنا، هو أن المتتبع لمسالكهم في هذا التغير يجدهم لم يندفعوا فيه بمجرد ما يلوح أنه مصلحة، بل كانوا يجعلون الأصل هو ما دل عليه النص، وأنه الذي يجب التمسك به، كما يؤخذ ذلك من عباراتهم: «كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله»، أو «كيف نفعل ذلك مع أن النص يفيد كذا» الخ.. ولا يعدلون عن هذا الأصل إلا إذا دعت حاجة ملحة، ولا يسلمون التغير إلا بعد تقليب الأمر على وجوهه، والموازنة بين مصالحه ومفاسده حتى إذا ما بان لهم الراجح عملوا به والله أعلم»([11]).

والأحكام – فيما سوى العبادات – تتغير بتغير المصالح والأزمان([12])، ويقول في موضع آخر: «وشيء جديد لم يظهر في تعليل القرآن وهو أن من الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها، والسبب في ذلك – على ما يظهر والله أعلم- أن هذا النوع من الأحكام مفوض لرأي الرسول × باعتباره إمامًا للمسلمين...». ([13]) 

ثم يتحدث عن هذا التبدل فيقول أنه تبدل في التطبيق فقط، فالرسول صلى الله عليه وسلم  فُوض إليه الحكم في كثير من الأشياء «وخاصة ما يتعلق بالهيئة الاجتماعية كالمعاملات والعادات وما شابههما حسبما يراه ملائمًا للمصلحة، وهو مع ذلك لم يخرج عن كونه شرعًا أصله محكم لا يتبدل، والذي يتبدل فيه إنما هو التطبيق فقط...». ([14]) 

وقال في موضع آخر تحت عنوان تبدل الأحكام بتبدل المصالح: نتيجة البحث: «عُلم مما سبق موقف المصلحة من النص، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها وليس هذا إهدارًا للنص بمجرد الرأي بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلاً، وأنه لا يتصور تعارض بينهما فضلاً عن أن يترك النص بها... »([15]).

ثم استدل على إثبات مراده هنا بأن هذا هو مذهب الصحابة وذكر لذلك تطبيقات من فروعهم أراد بها إثبات هذه النسبة، واستدل بوقائع كثيرة وقرر مستنبطًا منها ما يلي:

1- «ولقد وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره بما يترتب عليه من ضرر يلحق المسلمين بسببه فيقرهم على ذلك r ([16].

2- «أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها، ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة» ويقصد إجماعهم على تغير الأحكام تبعًا لتغير المصالح([17]).

3- قال عن عمر رضي الله عنه: «فقد منعهم – أي أهل الذمة من العمل – أي في الذبح للمسلمين- مع نص الكتاب على حل ذبائحهم»([18]). ويقصد أن عمر أوقف العمل بنص الآية.

ومع أنه يصف الصحابة بمعارضة الرسول r.. إلا أنه يفسر مقصوده فيقول: «والذي نقصده هو إثبات أنهم – أي الصحابة- فعلوا شيئًا لم يكن في زمن رسول الله r تبعًا لاقتضاء المصلحة ولا يليق بهم أ، يخالفوا فعل رسول الله إلا إذا علموا أن هذا مقصد الشريعة ففعلهم هذا عين الموافقة، ولكنا سميناه مخالفة في موطن محاجة الخصم الذي لم سلّم معنا هذا المبدأ «مبدأ التعليل وإن بعض الأحكام يتبع المصلحة لما أطلقنا لفظ المخالفة على شيء من فعلهم»([19]).

5- «.. أن من تتبع أحوال الصحابة الذين هم القدوة في كل شيء بعد رسول الله r لم ير لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن»([20]).

وقد جاء كلامه هذا في معرض الرد على من اشترط إرجاع المصلحة إلى أصل معين ليشهد لها مبينًا أن هذا أمر مخترع لم ينقل عن أحد من الصحابة([21]).

6- «.. ولكن الواقع الذي لا ينكر أن أصحاب رسول الله r عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلق بالنظام الاجتماعي، وإن كانت في مقابلة النصوص، واشتهر ذلك عنهم في وقائع كثيرة وهم في ذلك لم يكونوا جناة على الشريعة. كيف وهم الذين أقامهم الله حرساً عليها بعد رسول الله r، وتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم ثم الأئمة من ورائهم!».

«فإن قيل إن ما وقع من ذلك لم يصح النص فيه عند الصحابي ولا الإمام،أو صح ولكنه رآه غير حتم، أو كان حتمًا ولكن المخالفة راجعة إلى وصف منفك، قلنا مجرد احتمالات ممكنة، وليس كل ما ورد من هذا النوع يمكن تخريجه على هذه الوجوه وتلك الدعوى لا تسلم إلا إذا صحبها استقراء وحصر لذلك، وهو لم يوجد بعد»([22]).

ويفهم المؤلف بعد ذلك كله أن المصلحة دليل كباقي الأدلة، فهو لا يتصور وجود مصلحة ملغية في هذا الباب «لأن المصلحة- كما يقول هو- إذا ثبت كونها دليلاً شرعيا في الجملة- كما سنثبته بالأدلة في البحث الآتي – كانت كباقي الأدلة الأخرى، في أن مجرد المعارضة لا يسوغ تسمية الدليل بالملغي..» ([23]).

وحاصل ما في هذه النصوص أن المؤلف يقرر الآتي:

أولاً: أن الصحابة عللوا الأحكام وعملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة، وكانوا يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، مع اضطراب في تقرير هذه القضية عنده ستأتي الإشارة إليه.

ثانيًا: أن الصحابة عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات، وما يتعلق بالنظام الاجتماعي وإن كانت في مقابلة النصوص، وهذا يدل على أن المصلحة دليل كباقي الأدلة الأخرى.

ثالثاً: أن من المصالح ما يتغير بتغير الزمان؛ ولذلك فإن الصحابة بدلوا بعض الأحكام لتبدل الزمان والمصالح، وتارة يقول: أن هذا التبديل إنما هو في التطبيق، ويستدل على ذلك بوقائع متفرقة، ويرى مخالفة النص بهذه المصلحة لأنه قد ثبت حجية المصلحة كدليل شرعي بمجموع نصوص.

رابعاً: يعتبر هذا المنهج- الذي فهمه من تلك التطبيقات- هو المنهج الحق وأن الأصوليين حادوا عنه، واشترطوا شروطًا لم يثبت عليها دليل.

ومما تنبغي الإشارة إليه أن الاعتماد على تصوير هذا المذهب من هذا الكتاب خاصة سببه أن هذا الكتاب يعتبر عمدة في الانتصار لهذا الرأي، ومنه يغترف أولئك الباحثون الذين جاءوا من بعده، وستكون المناقشة في المطلب الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن حسب الترتيب الآتي([24]) والله المستعان.

المطلب الثالث :

  مناقشة القول بأن الصحابة عملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة، بل اتبعوا وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، وأنهم منعوا العمل ببعض الأحكام، وخالفوا قول رسول الله r حيث غيروا بعض الأحكام لتغير المصالح واشتهر ذلك بينهم فكان إجماعاً:

1- منع عمر رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم: قال الدكتور مصطفى شلبي: «أحكام وردت مطلقة أو معللة بعلة فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت، أو ما شرع له الحكم قد تغير، فغيروا الأحكام تبعًا لذلك.. من ذلك: حكم المؤلفة قلوبهم شرع الله إعطائهم من الزكاة وأعطاهم رسول الله r من مال الله كثيراً، وقال في بعض المواضع: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي تأليفاً لقلبه». هؤلاء المؤلفة قلوبهم منهم من كان مسلماً ضعيف الإيمان، ومنهم من كان على دينه، أعطاهم ليقوي إيمان الأول، ويحبب الثاني في الإسلام، مضى زمن رسول الله r والأمر على ذلك، ثم حدث في زمن أبي بكر رضي الله عنه ما رواه الجصاص في تفسيره عن ابن سيرين عن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما، وكتب لهما عليهما كتاباً فاشهد، وليس في القوم عمر، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما، فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله ثم تفل فيه فمحاه!، فتذمرا وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله r كان يتألفكما، والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما. لا يرعى الله عليكما إن رعيتما...! فترك أبو بكر الإنكار عليه»([25]).

قال الدكتور: «وهذا دليل على أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها، ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة الذي كثيراً ما يحتج به، وقد اعترف بكون إجماعهم حجة كل من قال بحجية الإجماع.

 مناقشته: نسلم أن إجماع الصحابة حجة، ونخالف في تفسير النص المنقول عن عمر بهذا التفسير، والاستنتاج السابق من المستدل غير صحيح.

والدليل على ذلك أن الآية الواردة في المؤلفة قلوبهم والتي أمرت بإعطائهم تتضمن حكمين في آن واحد وهما:

الأول: أن المؤلفة قلوبهم يعطون من بيت المال.

الثاني: وهو ضده أن غير المؤلفة قلوبهم لا يعطون.

فعاد الأمر إلى تحديد من هم المؤلفة؟.. والمؤلفة: هم أولئك الذين يكون الإسلام بحاجة إليهم لأنهم زعماء في قومهم فإذا أسلموا أسلم من ورائهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقد كانا من زعماء تميم فإذا أسلم أمثال هؤلاء تقوَّى الإسلام بمن ورائهم.

ولعلة يدخل في هذا المعنى ما أشار إليه المستدل من أن الرسول r يعطي الرجل وغيره أحب إليه منه حتى لا يضعف أويفتن وَيَكِلُ الآخرين إلى إيمانهم.

فالأول من معنى التأليف لتقوية الإسلام.. والثاني من معنى التأليف لمنع الفتنة أو الضعف.

وإذا وقفنا عند القصة المذكورة نجد أن التأليف لتقوية الإسلام غير متحقق، فالإسلام حينئذ كثير، وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه أن رسول الله r كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، أما أنتما اليوم فتريدان أن نتألفكما والإسلام كثير، فأنتما لستما من المؤلفة قلوبهم اليوم وإن كنتم منهم من قبل، وهذا من عمر هو الفقه، وهو ما يسميه الأصوليون «بتحقيق المناط»([26]).

فإذا أراد الفقيه أن يطبق النص على حادثة حقق مناطها سواء أكان الفقيه صحابيًا أو غير صحابي، فإذا وجد أنها تدخل في حكم النص أعطاها حكمه، وإلا منعها من الدخول تحته، وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه.

فقد حقق في شأن الرجلين، وشأن الإسلام فعلم أنهما ليسا من المؤلفة قلوبهم، فمنعهم من الدخول تحت الآية ولم يعطهم..

والنص الوارد في القرآن هو هو لم يُبَدل ولم يغير، فمن أعطى المؤلفة قلوبهم كما فعل رسول الله، أو ظنهم مؤلفة كما فعل أبو بكر فقد أعمل الآية.

ومن منعهم لأنهم غير مؤلفة فقد أعمل الآية، ولا تغيير ولا تبديل.

ومناط الآية ثابت إلى يوم القيامة، وهو: إعطاء المؤلفة قلوبهم ومنع غير المؤلفة، والتطبيق بحسب الواقعة والحال، فأين التبديل والتغيير للحكم؟ بل أين الإجماع على ذلك؟

فهذا المثال لا يثبت من دعوى المؤلف شيئاً، وهو مثال يكثر الباحثون من استعماله على الدعوى نفسها..

وأضرب مثالاً آخر يوضح المقصود ولا أحد يخالف فيه إن شاء الله، فأقول: لو أن إنسانًا وقف مالاً على الفقراء من طلبة العلم في مسجد معين وجعل  لكل منهم قسمًا محددًا، ثم إن الناظر أعطى الفقراء ومنع غير الفقراء فهل يعتبر تغيرًا لشرط الواقف ومطلبه؟ كلا.

ثم لو أن بعض هؤلاء الفقراء أصبح غنياً فارتفع عنه وصف الفقر، فلم يعطه الناظر شيئاً هل يعتبر قد غير من شرط الواقف أو مطلبه شيئاً؟ كلا.

ثم إن هؤلاء الذين ارتفع وصف الفقر عنهم، لو أنه عاد لهم، ثم عاد الناظر فأعطاهم أفلا يكون ذلك عملاً بشرط الواقف وقصده؟

إن عمل عمر رضي الله عنه لا يعدو هذه الصورة، ولم يغير ولم يبدل.

إذا عُلم ذلك فلا يجوز لمسلم أن يقول أن عمراً أوقف حكم الآية، ولا أنه ألغاه فالحكم هو الحكم، وعمر هو عمر الوقاف عند كتاب الله رضي الله عنه وأرضاه..

2- استدل على دعوى تغير الأحكام بتغير الزمان فقال:« مثال آخر: أباح رسول الله r للنساء الخروج إلى المساجد للصلاة كما رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله r قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات»([27]).

هذا ما كان في زمن رسول الله، ثم حدث بعد ذلك أن تغيرت حالة النساء وأحدثن ما لم يكن في عصر النبوة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما رواه أبو داود: «لو أدرك رسول الله r «ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل» قال: «فقد رأت أن ما حدث يقتضي تغير الحكم السابق، حينما كان الصلاح عاماً والقلوب عامرة بالإيمان،  ولم يوجد الدخل في بعض النفوس فلو استمر الحكم مع تغير الحال لأدي إلى مفسدة عظيمة تزيد على ما يجلبه الخروج من المصلحة من تعليم الدين وإدراك فضل الجماعة..

ثم ذكر محاورة بين عبد الله بن عمر وابن له رواها أبو داود: قال ابن عمر: قال رسول الله r: «ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل» فقال ابن له والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلاً والله لا نأذن لهن!! فسبه وغضب، وقال: «أقول قال رسول الله: ائذنوا لهن وتقول: لا تأذن لهن»([28]).

قال المؤلف:«ولا غرابة في موقف ابن عمر هذا فذلك موقفه غالبًا إزاء النصوص فلم يكن من أهل المعاني عكس والده رضي الله عنه، وذاك ابنه قد سلك مسلك جده من اعتبار المعاني التي شرعت لها الأحكام، فيشرح لوالده السبب مع قسمه بالله، فهل ترى أنه يقسم مرتين وهو يسمع قول رسول الله ويرى غضب والده عليه وسبه له من أجل المخالفة من غير فائدة؟ لا شئ إلا أنه دين الله والمحافظة عليه بدفع المفاسد عنه.

فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف؟ لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر!!! ويقولون مقالته، وقد رأوا فساد الأخلاق عم كل مكان وتهتك النساء فاق كل حد وتنطع الشبان بلغ الغاية»([29])..

مناقشته: نسلم مع المؤلف الرد على نفاة التعليل ونعمل بالقياس والمصلحة التي شهد الشرع لها، ونسلم معه السعي للمحافظة على دين الله بدفع المفاسد عنه، ونخالفه في تحديد الطريق الذي يوصل إلى ذلك، وبيانه:

1- أن درء المفاسد مطلب شرعي وذلك للمحافظة على الدين، ولكن من أين نعلم أن هذا مفسدة؟ والجواب: من الشارع لأنه كما تقدم لا يستقل العقل بدرك المصلحة والمفسدة، فإذا قلنا هذا مفسدة فلابد من شهادة الشرع لما نقول، وكذلك إذا قلنا أنه مصلحة.

2-موقف ابن عبد الله عمر يدل على أن الخروج إذا ترتب عليه مفسدة يمنع، وهذا لم يدركه بالعقل، بل شهد له الشرع.

وهذه الشهادة موجودة في النص نفسه، ألا ترى إلى اشتراط رسول الله r - لعدم منع النساء من الخروج- خروجهن غير متزينات حيث قال: «ولكن ليخرجن تفلات». فإذا لم يتحقق الشرط وهو الخروج تفلات لا يؤذن لهن لأنهم لم يلتزمن به.

فمن منع من الخروج علم أن الخروج غير تفلات مفسدة بالنص..

فالقول إذا بأن هذا مفسدة ليس اعتمادًا على العقل وإنما هو بشهادة الشرع..

فلا يقال: «فقد رأيت أن ما حدث يقتضي تغير الحكم السابق»؛ لأن الحكم السابق هو: عدم جواز منع النساء من الخروج إلى المساجد إذا خرجن تفلات وأما إذا لم يخرجن كذلك فقد تركن العمل بالشرط الذي يجيز الخروج لهن فيمنعن، وهذا حكم ثابت لم يتغير ولن يتغير إلى يوم القيامة..

بقي تحقيق المناط هل هذه المرأة تفلة فتخرج أو غير تفلة فلا تخرج.. وهذا وإن تغير فليس هو الحكم.. وإذا تبين هذا سقطت دعوى المؤلف وغيره ممن يعتمد على هذه الآثار في القول بتغير الأحكام بتغير الزمان..

بقي أن نشير هنا إلى خطأ المؤلف في تصويره لمذهب ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال: «فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف، لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر ويقولون مقالته» وهذا الكلام لا ينبغي أن يقال في حق أحد من الصحابة، بل الواجب على كل مسلم التأدب معهم.

ومع أن نفاة التعليل لا يملكون هذا فإن ابن عمر ليس ممن لا يتبع المعاني، حاصل ما في الأمر أنه شديد الحرص على المتابعة لرسول الله r حتى في مواطن صلاته في سفره ونحو ذلك.

أما أنه معروف بأنه «لم يكن من أهل المعاني» فهذا ليس في النص المذكور دليلاً على ذلك.. ويدل على ذلك أن الصحابة يعملون بقاعدة سد الذرائع.. قال أستاذي الدكتور حسين حامد في كتابه نظرية المصلحة تعليقاً على محاورة ابن عمر لأبيه: «وهذا لا يفسر خلاف الصحابة حول قاعدة الذرائع، فإن أحدًا لا يقول بأن الشارع إذا نهى عن مفسدة فإنه يبيح لعباده الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليها، وإلا كان ذلك تناقضًا، وكان مؤديًا إلى مخالفة مقصود الشارع من دفع المفاسد ما أمكن الدفع، وسد كل طرق الشر ومسالكه، ولكنه يفسر الخلاف- والله أعلم- في تحقيق مناط هذه القاعدة، فبينما ترى عائشة وابن ابن عمر أن الزمن قد تغير، وأن الدين قد ضعف سلطانه على النفوس وأن الخروج إلى المساجد بالليل يتخذ ذريعة إلى المفاسد غالبًا، ولذلك يجب أن يمنع محافظة على قصد الشارع الذي عرف من نصوصه، يرى ابن عمر أن العصر الذي يعيش فيه لا زال عصر طهر وعفاف، وأن حصول مفسدة من خروج النساء نادر أو في حكم المعدوم، وأن في شهود النساء المساجد والجماعات مصالح محققة لا تترك لمفاسد معدومة، ولا يمكن القول بأن ابن عمر يجيز خروج النساء إلى المساجد بالليل، وإن كثر حدوث الفسق وغلب وقوع الفاحشة ممن يتذرعن بهذا الخروج إلى أغراضهن الخبيثة، فإن الشارع لا يرضي بالفاحشة ولا يفتح الطرق إلى الفسق قط..

فالخلاف في تحقيق مناط القاعدة وتطبيقها على الجزيئات ([30]).. فابن عمر رضي الله عنهما من اتباع المعاني والمحافظين على نصوص الشرع ومقاصده.

ثم إن اتباع الصحابة رضي الله عنهم أمثال ابن عمر وغيره والتمسك بآثارهم ليس فيه ما يدعو للعجب، فهم أولى بالا تباع لأن الحق لا يخرج عنهم، وكل واحد منهم لنا فيه قدوة.

وأما موقف ابن عمر مع ابنه فهو الحق في بيان أدب التربية والتعليم، فإن طالب الحق مجتهداً أو غير مجتهد إذا تبين له نص أو معنى شرعي يوجب تخصيص نص آخر أو تقييده لا يجيز له ذلك أن يقسم ويصرح بالمخالفة.. بل عليه أن يبين أن ذلك النص قد خصصه أو قيده أو نسخه نص آخر، فإنكار ابن عمر في موضعه فكيف يقال لأحد أن رسول الله أمر أو نهي أو أذن، فيقول لا آذن والله، بل الحق أن يقول أن هذا الإذن له شروط مذكورة في موضع آخر ثم يستكمل الاستدلال هذا بالنسبة لبيان وجهة ابن عمر.. أما ابنه رضي الله عنه فإنما أخذته الغيرة الشديدة على الدين كما قال ابن حجر([31]) فحملته على أمر غيره أولى منه وأسلم – والله أعلم.

3- حد الخمر: قال مستدلاً على أن الأحكام تتبدل بتبدل المصالح: «حرم الشارع الخمر وبين ما فيها من مفاسد، وما يعقب اجتنابها من مصالح كما سبق بيانه، ولكن ليس كل النفوس تتمثل خوفًا من عقاب أخروي أو رغبة في ثواب كذلك بل منها من لا يزجره إلا أن يرى العذاب رأي العين، فشرع الشارع الحكيم لمن يشرب الخمر فأمر بضربه، كما رواه أبو داود بسند عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله r أتي برجل قد شرب فقال: «اضربوه» قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله!  فقال رسول الله r: «لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان». وفي بعض الروايات تقدير ذلك بأربعين، وفي بعضها: «أن رسول الله r حثا في وجهه التراب»، وفي بعضها بعد الضرب قال لهم «بكتوه»([32]).

وروى البيهقي بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس: «أن الشُرَّاب كانوا يضربون على عهد رسول الله بالأيدي والنعال والعصي. قال وكانوا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه أكثر منهم في عهد النبي r، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا فتوخى نحو مما كانوا يضربون في عهد رسول الله r، فكان أبو بكر رضي الله عنه يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر رضي الله عنه فجلدهم أربعين إلى أن قال: ثم كثروا فشار فقالوا: ثمانين»([33]).

والمشاورة رواها البيهقي أيضًا بسنده إلى الزهري قال: «.. أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة الكلبي قال: «أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر رضي الله عنه: هم هؤلاء عندك فاسألهم فقال علي: تراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا»([34]).

 ثم قال المؤلف تعليقاً على هذه النصوص: «والذي نقصده هو إثبات أنهم فعلوا شيئاً لم يكن في زمن رسول الله r تبعاً لاقتضاء المصلحة، ولا يليق أن يخالفوا فعل رسول الله إلا إذا علموا أن هذا مقصد الشريعة ففعلهم هذا عين الموافقة، ولكنا سميناها مخالفة في موطن محاجة الخصم الذي لو سلم معنا هذا المبدأ «مبدأ التعليل وأن بعض الأحكام يتبع المصلحة لما أطلقنا لفظ المخالفة على شئ من فعلهم»([35]).

المناقشة: أولاً: إذا كان المؤلف يريد في كتابه «تعليل الأحكام» إثبات تعليل الأحكام فذلك مسلم، بل هو مذهب أكثر أهل السنة ما عدا نفاة القياس([36]).

ثانياً: أما إذا كان يريد أن يثبت أن بعض الأحكام يتبع المصلحة، وأن هذه الأحكام تتبدل بتبدل الزمان، وأن هذا إجماع الصحابة فهذا غير مسلم، وقد مر بيان أن ما استدل به سابقًا لا يدل له البتة.

أما استدلاله بهذا المثال فلا يدل له على دعواه، وبيان ذلك أن هذه المسألة وإن كان سندها العمل بالمصلحة، إلا أنها ترجع إلى أصل كلي، وهذه شهادة من الشارع لها بالاعتبار، ولنتعرف الآن على الأصل الكلي وعلى المصلحة المعتبرة هنا، والأصل الكلي- كما مر بيانه- هو أن الشارع اعتبر المظنة في الأحكام أصلاً شرعياً كليًا، والدليل عليه الاستقراء، فتأخذ المظنة حكم المظنون([37]).

ويبقى النظر بعد ذلك في دخول مسألة «حد الشرب» تحت هذا الأصل فقد تشاور الصحابة فعلموا أن الشرب مظنة القذف فأعطوه حكمه فقال علي- والصحابة له موافقون:«تراه إذا سكر هذى وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر بلغ صاحبك».

فهي مسألة كان لها حد مقدر في الشرع، وإنما كان يطبق الحد المقدر الذي يتم به الردع والزجر، وورد في بعض الأحاديث أن الصحابة حرزوه أربعين لما سألهم أبو بكر رضي الله عنه عن ضرب النبي r ([38])، ثم ضرب هو أربعين، ثم اجتمع الصحابة وتشاوروا واعتمدوا في ذلك على المصلحة الشرعية التي شهد الشرع لجنسها، فجعلوه ثمانين كحد القذف؛ لأن المظنة تأخذ حكم المظنون.. 

فأين اتباع مجرد المصلحة؟ وأين تغير الحكم؟ وليس في النص مخالفة لفعل رسول الله ولا لقوله،  ولا يجوز تسميته مخالفة لا في موضع الحِجَاج ولا في غيره..

ومن الأسباب التي حملت المؤلف على الدخول في هذه الإطلاقات هو أنه يقارن بين طرفين: الأول القول بإثبات التعليل، والثاني القول بنفيه، وينتصر للطرف الأول دون أن يلتزم بشروطه، فإن مثبتي التعليل من أهل السنة لا يتبعون مجرد المصلحة، وإنما يشترطون أن تكون هذه المصلحة التي يجب اتباعها مصلحة لم يشهد الشارع بردها، فلابد أن تعرض عليه فينظر فيها أيقبلها أم لا؟

فهم يعللون الأحكام ويعتبرون النظير بالنظير، ويعملون بالمصالح المرسلة، وهم مجمعون بعد ذلك على رد كل مصلحة لا يقبلها الشرع.

والمؤلف غفل عن هذا وانتصر لمبدأ التعليل، وأدخل معه- شعر أم لم يشعر بخطورة ذلك- قوله «وإن بعض الحكام يتبع المصلحة».

والواجب أن يقيدها بالقيد الذي اتفق عليه القائلون بالتعليل، أما أن يطلقها هكذا من غير قيد ثم يرتب على ذلك أن بعض الحكام تتغير بتغير الزمان، وأن الصحابة كانوا يبدلون هذه الأحكام وأنهم مجمعون على ذلك، فذلك أمر لم يثبته بعد، ولا يمكن لأحد أن يثبته لوضوح بطلانه وفساده.

4- حد السارق: «يروي لنا مالك في الموطأ بسنده عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب «أن غُلمة لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر أراك تجيعهم، ثم قال: والله لأغرمنك غرماً يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: قد كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم، فقال عمر: أعطه ثمانمائة درهم»([39]).

«وقد روى ابن وهب هذا الأثر في موطئه مُفسَرا وفيه: فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ثم أرسل وراءه من يأتيه بهم فجاء بهم فقال لعبد الرحمن: «أما لولا أني أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لأكلوه لقطعتهم، ولكن والله إذْ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك»([40]).

قال صاحب كتاب «تعليل الأحكام»: «فانظر إليه وقد ثبت على هؤلاء ما يوجب القطع، وبعد الأمر ينهى عن التنفيذ لما ظهر له ما يدفع الحد عنهم، وهو أنهم جاعوا فأخذوا مال الغير، وذلك لفهمه أن القطع عقاب للجاني من غير حاجة ولو كانت الأحكام كلها ومنها الحدود يتبع فيها النص المجرد لما ساغ له رضي الله عنه وهو من أعلم خلق الله بشرع الله أن يخالف قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومن أجل هذا المعنى نهى عن القطع عام المجاعة مع أن النص عام شامل لجميع الأوقات»([41]).

المناقشة: اشترط الشارع  لوجوب القطع شروطاً وهي:

1- أن يكون المسروق نصاباً.

2- أن يكون من حرز.

3- أن لا يكون فيه شبهة ملك.

4- أن لا يكون آخذه محتاجاً إليه لسد رمقه.

فإذا تحققت هذه الشروط وجب الحد، وإذا تخلف أحدها لم يجب([42]).

وعلى كل شرط من هذه الشروط دليل شرعي، فأما شرط النصاب والحرز فظاهر، وأما شرط انعدام شبهة الملك والحاجة إليه لسد رمقه فلأن من أخذ مالاً له فيه شبهة ملك لا يعتبر سارقاً لمال غيره، وكذلك من أخذ ما يحتاج إليه لسد رمقه إنما أخذ مالاً له فيه حق، كما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة وقد كان عمر يظن أنه يجيعهم فلذلك امتنع عمر عن قطعهم لوجود هذه الشبهة([43]).

فإذًا الحد الذي أوقفه عمر رضي الله عنه إنما أوقفه لعدم تحقق شروطه التي اشترطها الشارع، بل إن عمر لا يستطيع أن ينفذ الحد الذي لم تحقق شروط تنفيذها لأن في ذلك مخالفة للشارع.

فالعموم في آية السرقة لا يصلح وحده لتطبيق الحد بل هناك شروط وردت في السنة لابد من اعتبارها، ومن اعتبرها- كما هو صنيع عمر – لا يقال له أنه خالف الآية.

وأيضًا فإن عدم القطع ليس سببه تعلق عمر بمطلق مصلحة أو دفع مطلق مفسدة أو اتباعًا لحكم العقل، بل سببه مراعاة نصوص أخرى وردت في السنة.

وأما قول صاحب  تعليل الأحكام: «لو كانت الأحكام كلها ومنها الحدود يتبع فيها النص المجرد لما ساغ له رضي الله عنه، وهو من أعلم خلق الله بشرع الله أن يخالف قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومن أجل هذا المعنى نهى عن القطع عام المجاعة مع أن النص عام شامل لجميع الأوقات»([44]).

فيلاحظ عليه أمران:

الأول: إن كان مقصوده بالنص المجرد النص بدون النظر إلى معناه، فليس ما نحن فيه من هذا القبيل، ذلك لأن النصوص التي وردت في حد السرقة منها ما هو عام كالآية ومنها ما هو مخصص لهذا العموم.

فإذا كانت الآية توجب قطع كل سارق سواء سرق من حرز أو من غير حرز أو سرق نصابًا أو دونه أو تحققت شبهة بسبب ملك أو مجاعة، فإن السنة خصصت هذا العموم فلا يقطع إلا من سرق نصابًا من حرز مثله بلا شبهة.

فتبين بعدئذ أن النص الوارد في القرآن مخصوص لم يأت لجميع الأوقات، بل يستثني منه وقت المجاعة لورود نص آخر يمنع القطع عند تحقق الشبهة.

فيصبح أن يقال أن تطبيق الحدود يتبع فيها النصوص بعد الجمع بينهما والنظر فيها، ومن فعل ذلك فقد وافق القرآن والسنة كما فعل عمر رضي الله عنه ([45]).

وأما عبارة المؤلف بأن الحدود لا يُتبع فيها النص المجرد وأن عمر خالف الآية فلا وجه لها. والله أعلم.

الثاني: أن الحكم: وهو وجوب القطع لمن سرق نصابًا من حرز مثله بلا شبهة ثابت إلى يوم القيامة، وأما تحقيق مناطه وهو تطبيقه، فبحسب الحادثة الواقعة فإذا سرق غلمان ناقة بلا شبهة كاضطرار لسد الرمق قطعوا، وإذا سرقوا كما سرق غلمان حاطب لم يقطعوا لتلحق الشبهة، والحكم ثابت مع ذلك لا يتغير.

5- استدل على قوله بأن من الحكام ما يتبع المصلحة ويتبدل بتبدلها بأن:«أصحاب رسول الله يعارضون أمره بما يترتب عليه من ضرر يلحق المسلمين بسببه فيقرهم على ذلك r، من هذا ما رواه البخاري بسنده عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة رضي الله عنه قال: خفت أزواد القوم وأملقوا([46]) فأتوا النبي في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر رضي الله عنه فأخبروه: فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله r «ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم، فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع فقام رسول الله فدعا وبرك عليه ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتسى الناس حتى فرغوا ثم قال رسول الله r:«أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»([47]). فقد عارض عمر إذن رسول الله بالنحر بالمصلحة وأقره الرسول على ذلك([48]).

مناقشته: إن هذا النص الذي استدل به على جواز معارضة حكم الشرع بالمصلحة مثل النصوص السابقة لا تدل على شئ من ذلك. 

 وقد ادعى الدكتور شلبي هنا دعوى عريضة لا برهان عليها وهي قوله: «ولقد وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره...» مع أن كل مسلم يعلم أنه ليس لأحد من المسلمين أن يعارض أمر الرسول r لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ) ([49]).

 ويقول سبحانه ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ([50]).

وقوله تعالى:  ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)([51]).

    وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)([52]).

ومعلوم أن الصحابة من أتبع الناس لرسول الله r.. فكيف يقال إنا «وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره».

وهذا المعلوم عن الصحابة من المحكم الذي لا يقبل الجدل.. وأما ما نقله فإنه في الحقيقة لا يعارضون ما قررته آنفا..

وحاصل ما في هذه الرواية أن رسول الله r استأذنه القوم في نحر إبلهم فأذن لهم في ذلك، ومثله ما علمناه من الشارع من الإذن في عمل المباحات، ثم إن رسول الله r علم بعد ذلك أنهم إن نحروا إبلهم لم يبق لهم شئ بعدها فلم يأذن لهم وأمر الناس أن يتصدقوا عليهم، و«توالى المشي ربما أدى إلى الهلاك»([53]).

وما فعله عمر إنما هو بيان لحقيقة المسألة، فلما ذكرها للرسول r بين حكمها وأمر الناس بالصدقة، فأين المعارضة؟

ثم إننا قد علمنا من السنة في مواضع كثيرة أن رسول الله r يشاور أصحابه، فيببينون له حاجتهم واستفساراتهم ثم يجيب عليها حسب الواقعة، ثم إذا تجدد له علم بحقيقة الواقعة بين حكمها بحسب ما يتجدد على جواز المشورة على الإمام بالمصلحة وإن لم تتقدم منه الاستشارة([54]).

ألم تر إلى منزله r في بدر حيث بين له بعض أصحابه أن هذا لا يصلح منزلاً لقتال القوم، فأمر رسول الله باتخاذ منزل آخر، ولم يكن في قول الحباب بن المنذر معارضة لرسول الله.

وكذلك قصة تأبير النخل فإنه أمرهم أن لا يؤبروا النخل، لظنه أن ذلك لا ينفعه فلما عُلِم أن النخل لم يثمر فاشتكى له أصحابه أجاز لهم ذلك، وأخبرهم أنه لا يعلم بحقيقة الواقعة؛ حيث قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وهذه الحوادث مشهورة معلومة.. وكذلك ما نحن فيه لم يعلم عليه الصلاة والسلام بأنهم إذا نحروا لإبلهم لا يبقى لهم شئ، فلما علم أمر لهم بالصدقة.

وفي هذه الحادثة نفسها لو أن رسول الله أمر بذبح الإبل- بعد أن بين له عمر أنه لا يبقى لهم شئ- لما عارضه أحد من الصحابة، فكيف يتصور أحد أن في هذا معارضة..

ومن المعلوم أن المفتي قد يفهم الواقعة التي استفتي فيها على غير وجهها –أما لعدم العلم بحقيقتها أصلاً أو لعدم وضوحها- ثم يفتي فيها بحسب ما فهم فإذا بين له أن الواقعة ليست كذلك، بل هي كذا وكذا نظر في حكمها بهذا الاعتبار فكان لها حكم آخر، ولا يقال أن الحكم قد تغير.. ولا يقال أن البيان لحقيقة الواقعة معارضة.. والله أعلم.

ولنأتي بمثال تطبيقي نرد به على القائلين بتقديم المصلحة على النص، وهو موقف عمر من أبي بكر في حرب الردة؛ حيث تظهر فيه مقابلة المجتهد النص بالمصلحة التي يحسبها شرعية.. ولننظر أيقبل ذلك منه أو لا؟

روى البخاري بسنده عن عبدالله بن عتبة أن أبا هريرة قال: لما توفي النبي r واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله r:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله».

قال أبو بكر:«والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله r لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر لقتال فعرفت أنه الحق»([55]).

وقد سأل الناس أبا بكر في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة فأبى.. والذين سألوه ذلك إنما أرادوا العمل بالمصلحة، إذ المصلحة في الظاهر إبقاء الجيش ليقاتل مع المسلمين أهل الردة، بل إن عمر ظن أن المصلحة في ترك قتال أهل الردة، فلما بين لهم أبو بكر أن ما يرونه إنما هو مخالف لما ورد عن رسول الله r تركوا ما ظنوه مصلحة- وهم مجتهدون- وعملوا بما ورد في النص.

وفي هذا دليل على أن المصلحة التي تعارض النص مردودة، وحتى وإن ظن المجتهد أنها مصلحة، وآية قبولها شهادة الشرع لها، فإذا لم يقبلها، فكيف يتصور أحد أن رسول الله r يقبل من أحد معارضة النصوص بالمصلحة، التي يدعوا لها هؤلاء الكتاب!

ولذلك لم يقبل أبو بكر من أحد شيئًا من ذلك حتى مع أنهم مجتهدون بل بين ووضح، قال الإمام الشَّاطـِبي:«ولما منعت العرب الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم، فكلمه عمر في ذلك، فلم يلتفت إلى وجه المصلحة في ترك القتال، إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافه، وسألوه في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة، فأبى لصحة الدليل عنده بمنع رد ما أنفذه رسول الله r([56].

فهذه القصة تصلح مثالاً لمقابلة المصلحة للنص، وفي النهاية تحمل دلالة قوية على أن المصلحة المقابلة للنص لا عبرة بها، حتى وإن كانت من كبار المجتهدين.

وبعد هذا لا ينبغي لأحد أن يتصور أن المصلحة يمكن أن يعارض بها النص، وأن أحداً من أصحاب رسول الله r يعارض أمره- وهو يعلم- بالمصلحة فضلاً أن يقره رسول الله على ذلك، والله أعلم.

ومن المفيد هنا أن نقول إن كل ما في جيل الصحابة رضي الله عنهم ورضوا عنه، موضع للقدوة المباركة، حتى اجتهادهم الذي يعلمون أنه بعد ذلك مخالف للصواب فيرجعون عنه، هو موضع قدوة، لأن فيه معنى الرجوع إلى الحق واطِّراح مجرد التفكير البشري، والصبر عن متابعة رغبات النفس وحظوظها. وما أشد حاجتنا اليوم إلى مثل هذه الأخلاق الإيمانية والمواقف العظيمة التي لا يتحقق الصدق في الدين إلا بها.

6- استدل المؤلف أيضاً على ما سبق- من قوله: إن من الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها وأن الصحابة مجمعون على ذبك بما روى أبو داود بسنده إلى جنادة بن أبي أمية قال:«كنا مع بسر بن أرطأة في البحر فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية، فقال سمعت رسول الله r يقول: «لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته»([57]).  وفي رواية الترمذي والدارمي «في الغزو» بدل السفر»([58]).

قال صاحب تعليل الأحكام:«هكذا ورد الحديث عن رسول الله r مجردًا من بيان سبب هذا النهي، فماذا فهم أصحابه فيه من بعده؟ أوقفوا عند النصوص وقصروا النهي على حد السرقة، وقالوا إن الشريعة نصوص تعبدنا الشارع بها، أم فهموا أن هذا النهي معلل بعلة قصد به دفع مفسدة عن الأمة أو جلب مصلحة لها؟»([59]).

قال د. شلبي: «ولو تأملت هذه التعليلات في تلك الآثار لو جدت اختلافاً حسب اختلاف الأشخاص، فعمر وزيد رضي الله عنهما عللا بخوف اللحاق، وهذا يكون في الرجل العادي من الجيش، وأبو مسعود وحذيفة لم يعللا بذلك؛ لأن مثل أمير الجيش لا يلحق بالعدو عادة، بل يطمع العدو فيهم ويظهر ضعفهم أمامه إذا أقاموا عليه الحد، وإن كان الكل يلتقي عند شئ واحد وهو لحوق الضرر بسبب ذلك الفعل... وهذا التعليل لم يخالف نصًا ولا قياسًا ولا إجماعًا، وليس فيه إلا تأخير الحد لمصلحة راجحة، أما من حاجة المسلمين إليه أومن خِيف ارتداده ولحوقه بالكفار، ومثل هذا التأخير لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر الحد عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، وهو لمصلحة المحدود خاصة، فما بالك بما هو لمصلحة الإسلام عامة؟ فهذا النوع ورد الحكم فيه غير معلل فعللوه بما يترتب على الفعل من ضرر»([60]).

مناقشته: أُسَلِّم للمؤلف ما ذكره من هذه الروايات، وأخالفه في النتيجة التي رتبها على ذلك..

وبيان ذلك: أن المسألة الفقهية وهي «أن الحدود لا تقام في أرض العدو، منقولة عن الصحابة، وهو مذهب الأوزاعي وإسحاق وأحمد، وقال الشافعي يؤخره حتى يأتي الإمام لأن إقامة الحد إليه([61]).

واستدل من قال بالتأخير بالأدلة التي سبق ذكرها وهي حجة لهم([62])،  وهو الصحيح.. وبقي أن نتعرف على سند هذه المسألة هل هو المصلحة المجردة؟ وهل يؤدي القول بأن الحدود لا تقام في أرض العدو إلى تغير الحكم الذي دل عليه النص الشرعي وهو وجوب إقامة الحدود؟

والجواب أن سند هذه المسألة هو القاعدة المعروفة بقاعدة «سد الذرائع» وهي قاعدة عمل الصحابة والسلف الصالح بها، قال الإمام الشَّاطـِبي: «أن قاعدة الذرائع إنما عمل السلف بها بناء على هذا المعنى، كعملهم في ترك الأضحية مع القدرة عليها،وكإتمام عثمان الصلاة في حجة بالناس، وتسليم الصحابة له في عذره الذي اعتذر به من سد الذريعة([63])  إلى غير ذلك من أفرادها التي عملوا بها، مع أن المنصوص فيها إنما هو أمور خاصة كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا)([64]).

وقوله: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ) ([65]).

وفي الحديث: «إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه»([66]) وأشباه ذلك وهي أمور خاصة لا تتلافى مع ما حكموا به إلا في سد الذريعة»([67]).

وهذه القاعدة لها في الشريعة أدلة كثيرة وقد أحصى منها الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين تسعة وتسعين وهي تدل على أن وجوب سد الذريعة قاعدة من القواعد الشرعية قال: «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف»([68]).

والاستقراء كما عبر عنه الشَّاطـِبي هو: «استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ»([69]). ومن فوائد هذه القاعدة البناء والتفريغ، ذلك أنها تتضمن معنى - وهو السد – وقد استقرأت الأدلة من الكتاب والسنة فأفادت اعتبار الشارع له، بحيث لم يعد المجتهد يحتاج إلى دليل خاص إذا أراد أن يحكم على نازلة خاصة، بل يدخلها تحت عموم المعنى...

يقول الإمام الشَّاطـِبي: «ولهذه المسألة فوائد تنبي عليها أصلية وفرعية، وذلك أنه إذا تقررت عند المجتهد ثم استقرئ معنى عامًا من أدلة خاصة واطرد له ذلك المعنى لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تَعِنُ، بل يحكم عليها وإن كانت خاصة، بالدخول تحت عموم المعنى المستقرئ من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذا صار ما استقرئ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه»([70]).

وقرر الإمام الشَّاطـِبي على هذا أن الإمام الشافعي والإمام أبا حنيفة يعتبران سد الذريعة، وما وقع الخلاف فيه من المسائل الجزئية لا يدل على عدم اعتبار هذه القاعدة عندهم، بل امتنع دخول بعض المسائل تحتها لوجود عارض يمنع من ذلك([71])، وهذا ما قرره الدكتور  حسين حامد حسان في كتابه نظرية المصلحة؛ حيث استند على أدلة كثيرة في بيان أن الشافعي وأبا حنيفة وأحمد يسدون الذريعة فقال: «والخلاصة أن قاعدة الذرائع قاعدة متفق عليها بين الأئمة»([72])..

فإذا انضاف إلى ذلك عمل السلف بها من الصحابة ومن بعدهم تقرر عند المجتهد أن هذه القاعدة تدخل تحتها مفردات كثيرة ومن هذه المفردات مسألتنا هذه وهي منع إقامة الحدود في أرض العدو، وهذا من تطبيقات سد الذرائع فهو في الأصل فعل مأذون فيه، بل يجب تطبيق الحدود إذا تحققت الشروط الشرعية، ومنع تطبيق الحدود في الغزو سدًا للذريعة الفساد، وهذا الفساد متحقق إما في لحوق المحدود بالعدو، وإما بطمع الأعداء في المسلمين إن كان المحدود أميراً فيهم([73]).

فرجوع هذه المسألة إلى قاعدة سد الذرائع المعمول بها عند الصحابة والتابعين والأئمة هو السند الحقيقي لها.

ولا تفتقر بعد ذلك إلى نص خاص ولا قياس ولا إجماع.. فمنع إقامة الحدود في أرض العدو ليس مستنداً إلى مصلحة مجردة، وليس مؤدياً إلى تغير الحكم الذي جاءت به النصوص وهو حكم ثابت لا يتغير، ومن شروط تطبيقه أن تنتفي الشبهة كما مر سابقًا، وأن تؤخر الحامل والمرضع ولا يكون الوقت شديد الحر أو شديد البرد، وأن يكون في أرض العدو..

وهذه المسائل والتقسيمات ثابتة ومنها ما شهد له نص خاص، ومنها ما شهدت له قاعدة سد الذرائع وهكذا.. فلا يقال إن عدم تطبيق الحدود في المجاعة تغير للحكم، وأن الصحابة بدلوا بعض الأحكام وغيروها، ولا أن عدم تطبيق الحدود في الغزو اتبع فيه التعليل الذي أدى إلى تغير الحكم وتبديله، بل هذه المسائل إنما اتبع فيها النص الخاص كما في الأول، وقاعدة الذرائع كما في الثاني، ولا وجه لقول المؤلف وهو يستدل بمثل هذه الوقائع، أن من الأحكام ما يتبع المصلحة ويتبدل بتبدلها، وأن ذلك هو فعل الصحابة فكان إجماعاً.

وبعد: فقد تبين لنا من عرض هذه الأمثلة عند المؤلف أنها لا تدل له على ما ذهب إليه، وأنه لم يفرق بين تنقيح المناط، وبين تحقيق المناط الذي هو نظر المجتهد في الواقعة..

ومثال الأول قول الشارع: «كل مسكر حرام»، ومثال الثاني قولنا: هذا الشراب مسكر.

فإذا نظر الفقيه في شرابٍ ما فعلم أنه مسكر ثم طبق عليه حكم الشارع، فعمله هذا يسمى «تحقيق المناط»، وهذا يمكن أن يتغير بحسب ثبات الحالة التي أمامه، فإذا استقر الشراب على حالته الأولى فكان مسكرًا أفتى الفقيه بالحرمة، وإذا تغير فزال الإسكار عنه- كأن أصبحت الخمر خلاً- فأتى بجواز استعمالها، فإن هذا لا يعد تغيراً في حكم الخمر وهو التحريم، بل هو حكم ثابت.

ومثل ذلك موقف عمر من المؤلفة فإنه إنما حقق مناط المسألة، ولم يغير الحكم وهو وجوب إعطائهم، ولم يمنع العمل بالآية([74]).

وكذلك مسألة تطبيق الحدود فإنه مشروط بشرط فإذا لم تتحقق فلا تطبق، وليس ذلك لوجوب إقامة الحد.

ومثل ذلك منع خروج النساء إلى المساجد..

وأما مسألة حد الخمر فإنما اتبع الصحابة فيها المصلحة التي شهد لها أصل كلي، ولم يتبعوا فيها مجرد المصلحة، ولم يغيروا بها شيئاً، وكما أن هذه المسألة سندها المصلحة التي شهد لها الشارع، فإن سد الذريعة هي سند الصحابة في منع حد السكر ونحوه في الغزو.

وهكذا فقي مسألة قصر عثمان رضي الله عنه الصلاة في الحج وترك الأضحية فإنها من باب سد الذريعة، والمؤلف لم يشر إلى هذا، وكأن الصحابة يتصرفون في الأدلة بغير ضابط شرعي([75])..

المطلب الرابع :بيان موقف الصحابة رضوان الله عليهم من النصوص:

    إذا تقرر ذلك يحسن بي أن ألم بموقف الصحابة من النص، وهو معلوم عند العلماء المعتبرين، فإنهم لم يكونوا يتركون النص إلى رأي أو مجرد مصلحة، بل كانوا يتشاورون ويردون المسائل إلى النصوص.. فاستدلالهم لا يخرج عن العمل بالنص أو الحمل عليه، وإذا استنبطوا منه معنى واحتجوا به فلا يلزم من ذلك أن يصرحوا بالطريق الذي استنبطوه به، لكن المقطوع به أنهم لم يكونوا يستنبطون الأحكام بمجرد الرأي، وقد سبق ذكر إجماعهم على ذم الرأي الذي لا دليل عليه([76]). فقول صاحب تعليل الأحكام «ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن»مخالف للإجماع المنقول عنهم، إذ كيف يذم الرأي من لا يلتفت إلى الأصول أو لم تكن ويتبع «وجوه الرأى» على حد قول المؤلف!

وبسبب اتباعه هذا الوهم المخالف للإجماع أخذ يطلق المصلحة من ضوابطها، ويحاول الاستدلال بها دون أن يقيدها بكونها مصلحة شرعية لا تعارض مقصود الشارع، ومقصوده يعرف من النص أو الإجماع.

وبسبب هذا الوهم أيضًا نجد عباراته مضطربة فبينما هو ساع في تقرير مسلكه- الذي ليس له فيه وليّ إلا الطوفي([77]) - تجده يضطرب أما سيل الحقائق العلمية التي تثبت أن المصلحة المعارضة للنص مردودة وملغاة، وأن ذلك هو منهج الصحابة والأئمة([78]).

ومن المواضع التي اضطرب فيها: قوله: «... إن المصالح التي عمل السلف بها في مقابلة النصوص لم تبلغ رتبة الضرورة، وأن العمل بالمصلحة في مقابلة النص ليس تركاً للنص بالرأى في الواقع، وإنما ترك للنص بالنص بل بالنصوص الكثيرة..» ([79]) فهو هنا يقرر أن السلف لم يقدموا المصلحة على النص، وأنهم اعتبروا المصلحة التي شهدت لها نصوص كثيرة، فالمقابلة ليست بين مصلحة مجردة ونص، بل بين مجموعة نصوص ونص، ويستوي أن يكون هذا رأيًا للمؤلف، أو نقلاً عن السلف فإنه قد أقره كما هو ظاهر كلامه، ويحاول أن يجمع بين مذهب الصحابة ومذهب التابعين، فيقول:«... وبعد: فتلك طريقة هؤلاء الفقهاء السابقين في التعليل، وهو فيها لم يخرجوا عن طريقة صحابة رَسُول الله r: عللوا أحكام الله رغم أنف المنكرين([80]) وحكموا  المصلحة في التشريع، ولكن في دائرة المعتدلين، فلم يجمدوا على النصوص تعبداً بألفاظها، بل فتشوا وأخرجوا كنوزاً ثمينة من وادي معانيها، وزنوا الأمور بما يترتب عليها من صلاح أو فساد فأباحوا الأول، ومنعوا من الثاني، جعلوا عمادهم في ذلك التعليل المصلحة، ولم يسيروا وراء الأوصاف في كل شئ كما فعل الفقهاء والأصوليون المتأخرون، ومع هذا فلم يندفعوا وراء كل ما يظن أنه مصلحة، وإن صادم قاطعًا في شرع الله، أو قاعدة من قواعد الدين، بل رأيناهم في غير موطن يردون هذا المصلحة ويشددون النكير على من رام العمل بها»([81]).

والذي أقوله هنا: أنه ما دام أن الصحابة والتابعين لا يجرون وراء الأوصاف في كل شئ، ولم يندفعوا وراء كل ما يظن أنه مصلحة وإن صادم قاطعًا من الشرع، أو نافى قاعدة من قواعده، إذا كان الأمر على هذا الحال فما بال المؤلف يقول عنهم مقالته السابقة؟ وحاصلها أنهم لا يتبعون الأوصاف- هكذا على الإطلاق- بل يتبعون وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت قواطع أو قواعد أو لم تكن!!!

ثم إذا تركنا هذا الأمر إلى غيره، فلماذا ينفر من اشتراط الفقهاء والأصوليين شهادة الشارع للمصلحة حتى تكون معتبرة وإلا فهي ملغاة، لماذا ينفر من هذا، وهو يحكي مذهب الصحابة والتابعين بأنهم ما كانوا يقرون مصلحة تصادم  قاطعًا أو قاعدة..؟!

والدليل على نفوره منم الاشتراط وقوعه في ضده أنه نقل مذاهب الأصوليين وانتصر لمذهب الطوفي... وذكر هذه المذاهب كما يلي:

(أ) أن المصلحة المعتبرة هي التي لها أصل معين، ونسبه للقاضي.

(ب) أن المصلحة المعتبرة هي المشابهة للمصالح المتفق عليها أو المنصوص عليها، ونسبه للإمام الشافعي وجمهور الحنفية.

(ج) أن المصلحة المعتبرة هي التي لا تصادم نصًا ولا إجماعًا تحققت المشابهة أم لم تتحقق، قربت من مورد النصوص أو بعدت، ونسبه للإمام مالك.

(د) المصلحة معتبرة على الإطلاق مرسلة أو غير مرسلة في المعاملات، وما شابهها حتى وإن عارضت نصًا أو إجماعًا متى ما كانت راجحة!!!

قَالَ: «وهناك مذهب رابع خلاصته أن المصالح يعمل بها مطلقًا مرسلة أو غير مرسلة، ويعني بها التي عارضت نصًا أو إجماعًا متى كانت راجحة لكن في صنف من الأحكام «المعاملات وما شابهها»، أما العبادات والمقدرات فلا وزن للمصلحة فيها وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولاً، ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملاً»([82]).

وقد حاول مناقشة الأصوليين- ما عدا رأى الطوفي فإنه مر عليه سريعًا وبنى له مسألة أخرى نصره بها -كما يظن([83])- وليس المقصود هنا مناقشته فيما نسبه إلى الأصوليين فمثل هذه البحوث لا تكفي فيها ورقيات كما صنع هو([84])، وكذلك لا تكفي فيها ما قد أسجله هنا من ملاحظات، ذلك أن نسبة المذاهب إلى الأصوليين تحتاج إلى بحوث متخصصة في هذا الموضوع، وأكتفي هنا بالرد عليه فيما نسبه إلى فقهاء الصحابة- كما صنعت سابقًا- مع بيان اضطرابه وتفنيد خطئه في تفريقه بين مذهب الصحابة والأصوليين مع مناقشته خاصة فيما نسبه إلى الشَّاطـِبي وحاول الرد عليه انتصارًا للطوفي.

أما نسبة مذاهب الأصوليين إلى كتبهم وتحرير موقفهم من المصلحة فذلك لا يحتاج مني إلى بحث- فلقد حرر تحريرًا حسناً، وأكتفي بما حرره أستاذي الدكتور حسين حامد حسان وأبني عليه([85]). ومن ذلك قوله: «كل ضروب الاجتهاد المستندة إلى أصل اعتبار المصالح في الأحكام تعتبر استدلالاً بالنصوص الشرعية وليس فيها عمل بمصلحة مجردة ولا ترك لنص من نصوص الشريعة»([86]).

ويقول: وقد «أبطلنا دعوى أن مالكًا يقدم رعاية المصلحة على النص أو يترك بها خبر الآحاد، وأثبتنا أن جميع الفتاوى التي نسبت إليه واتخذت دليلاً على هذه الدعوى غير مفيدة في هذا المطلوب وبينا أسباب ذلك»([87]).

«أثبتنا أن المصلحة التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار مصلحة مردودة باتفاق... وهي المصلحة الغريبة التي حكى الغزالي والشَّاطـِبي الإجماع على عدم الأخذ بها.. وقلنا أن المصلحة التي يقول بها الطوفي لا تختلف عن هذا النوع من المصالح المردودة إلا في الطوفي يقدمها على النص والإجماع»([88]).

وقد حاول محمد شلبي الانتصار له - مع أن الطوفي إنما اتبع المصالح المردودة وحاول تقديمها على النص والإجماع، وقد أثبت العلماء المعتبرون قديمًا وحديثًا مخالفته لسائر الأئمة وشذوذه عن الإجماع.

ومن عجب أن ترى صاحب تعليل الأحكام يحاول أن يسند رأي الطوفي 

بقوله: «... وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولاً، ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملاً»([89]).

وأنت ترى أنه لم يصرح بأسمائهم ولا بفتاويهم مع أنه كثيراً ما مجد بحثه هذا واعتبره تجديداً في علم الأصول ودعى فيه إلى مراجعة ما كتبه الأصوليون بعد أن وصففهم بما يكره وستأتي الإشارة إلى ذلك..

 فأين هذه الجماعة من العلماء الذين وافقوا الطوفي أهي جماعة الصحابة التي ينسب إلى فقهائها معارضة الرسول ومخالفته، والتي ينسب إلى فقهائها تبديل بعض الأحكام بسبب اتباع المصالح!!!

أم أن هذه الجماعة من الأصوليين. وقد زعم الطوفي بأن رأيه الذي قَالَ به لم يسبقه إليه أحد قبله!!

أمَّا بعد الطوفي فلم بلق هذا الرأي إلا النقد والرد وبيان أن صاحبه خرق الإجماع وتولى غير سبيل المؤمنين، حتى أن بعض الباحثين في هذا العصر فندوه وبينوا أنه رأي ساقط لا عبرة به، وقد أشرت إلى ذلك من قبل([90]).

ثم جاء آخرون فأعجبهم هذا الشذوذ عن الإجماع وظنوه علمًا معتبرًا فاتبعوه- وما علموا أن فائدة الإجماع هو القطع في المسألة فلا تعد تحتاج إلى بحث وخاصة وقد تقرر هذا الإجماع في قرون متطاولة- فلما تبعوه أخذوا ينتصرون له مزينين له بشبه متكاثرة، بل ذهبوا إلى أكثر مما ذهب إليه الطوفي، فإنه شهد على نفسه بنفسه أنه لم يسبق إلى هذا الرأي، ومعني هذا أنك إذا بحثت لِتَجِد من ينصره قبله فلن تجد أحدًا.

ومع ذلك فقد حاول بعض الباحثين نصرته ببعض النقول والتطبيقات التي سبقت الطوفي - كما صنع صاحب رسالة تعليل الأحكام- فإنه قَالَ بتبدل الأحكام في المعاملات وما شابهها؛ لأنها بزعمه تتبع المصلحة، وأن ذلك هو إجماع الصحابة، مع أن هذا هو رأي الطوفي- الذي يزعم أنه لم يسبق له، فأين تجد عليه إجماعاً.

وقد تتبعت أبرز تطبيقاته([91]) وأثبت أنه إنما يتعلق بشبه لا بدليل وأن الصحابة لم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يتبعوا مجرد المصلحة، ووجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، فإذا أضفت هذا مع ما قرره الباحثون من أن أحدًا من الأئمة لا يقدم رعاية المصلحة على النص وبقي الطوفي على زعمه وخروجه عن الإجماع واتباعه غير سبيل المؤمنين وسقطت محاولة الشلبي وغيره من الباحثين الذين بذلوا جهدًا جبارًا لإحياء سقطة الطوفي وجعلها([92]) دينًا يتبع، يريد صاحب رسالة التعليل أن يستمسك به ويخالف عليه علماء الأصول المعتبرين ) .

( المرجع : رسالة " الثبات والشمول " للدكتور عابد السفياني ، ( ص 448-489) .

 


 

([1]) انظر تقييد ما ورد من الإطلاق في هذه المقالة، وقد حرر ذلك الأستاذ: علي أحمد غلام الندوي في رسالته للماجستير «القواعد الفقهية وأثرها في الفقه الإسلامي» مخطوط جامعة أم القرى ص 55، وقد تبين أن هذا الإطلاق غير صحيح.

([2]) انظر محاولة لتحديد معنى «التغيّر» لغة وشرعًا والفرق بينه وبين النسخ في رسالة الماجستير «الفقه والقضاء وأولو الأمر ودورهم التطبيقي لقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان» إعداد محمد راشد علي – كلية الشريعة والقانون – بالقاهرة ص 8-18.

([3]) اخترت هذا المثال لوضوحه وأدائه المقصود وستأتي أمثلة كثيرة متصلة بأبواب كثيرة في الفقه الإسلامي، عند مناقشة أدلة القائلين بالتغيير.

([4]) انظر ما سبق ص232.

([5]) رسالة «تغير الأحكام بتغير الزمان» 18-24-25.

([6]) تغير الأحكام بتغير الزمان 10.

([7]) تغير الأحكام بتغير الزمان 18.

([8]) جاء في اللسان: «العرف والعارفة والمعروف ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير. (اللسان مادة «عرف» 9/239).

    وكل ذلك يوحي بأن معنى العرف هو كل ما تعرفه النفوس من الخير وتتابع عليه ومنه قوله تعالى: ( وأمر بالمعروف.. )

    وقريب من المعنى اللغوي ما قصده الفقهاء – في الجملة- حيث تدور تعريفاتهم لمعنى «العرف» حول ما اطمأنت إليه النفوس وألفته عن طريق الاستعمال الشائع المتكرر قولاً أو فعلاً، ومن أمثلة ذلك: اشتراط المسلمين بعض الشروط في البيع، واستصناعهم الثياب- وتعاملهم بذلك، ووقف بعض المنقولات وقبض بعضهم نصف الصداق قبل العقد، واعتياد بعضهم كشف رؤوسهم كأهل المغرب، ونحو ذلك. انظر في ذلك العرف والعادة في رأي الفقهاء، عرض نظرية في التشريع الإسلامي بقلم أستاذي في قسم الدراسات الشرعية أحمد فهمي أبوسنة – مخطوط بدار الكتب المصرية، 2864/1949.

([9]) والعادة: الديدن، فكل ما استمر عليه الإنسان ودأب يسمى عادة، وجمعها عادات وعوائد، اللسان مادة «عود» 3/316-317، والعادة في عرف الفقهاء يشترط فيها التكرار في الحدوث، قولاً أو فعلاً، صدر من الفرد أو الجماعة سببه مكتسب أو غير مكتسب، مثل حرارة الإقليم وبرودته، فإن لهما أثرًا في العادة على إسراع البلوغ وإبطائه، وطبيعة الأرض فإنه يترتب عليها عادة اشتغال الناس بالتجارة بنوع من الأموال، وقد ذكر د.أحمد فهمي تعاريف كثيرة اختار منها أشملها لمقصود الفقهاء فإن الفقهاء قصدوا من بحث العرف والعادة جعلهما قاعدة تُبنى عليها الأحكام العملية، انظر 10-11-12. ولذلك اشترط في تعريفها حدوث التكرار في القول أو الفعل من الفرد أ والجماعة بسبب مكتسب أو غير مُكتسب وقد يسمى غير ذلك عادة أو عرفًا والمقصود هنا النظر فيما يكون قاعدة للحكم الفقهي.

([10]) يقصد والله أعلم من يخالفه فيما قرره سواء نفاة التعليل أو القائلين به الذين يشترطون شروطا معينة للعمل بالمصلحة فإن كان هذا مراده، فإن كلامه هذا لا يستقيم إذ أن الذين يعملون بالمصلحة ويلتزمون بضوابطها الشرعية لا ينظرون إلى النصوص مفككة، بل ينظرون لها جملة ويتعرفون على عللها ومقاصدها.

([11]) تعليل الأحكام 71.

([12]) المرجع نفسه 56-64.

([13]) المرجع نفسه 34.

([14]) المرجع نفسه 34.

([15]) المرجع نفسه 322.

([16]) المرجع السابق 32.

([17]) المرجع السابق 37-38.

([18]) المرجع السابق 43.

([19]) المرجع السابق 61.

([20]) المرجع السابق 293.

([21]) المرجع السابق 293.

([22]) المرجع السابق 302، ظاهر من منهج المؤلف أن كتابه- تعليل الأحكام- مبني على ما نقله عن الصحابة من تطبيقات، وهو يظن أن الأمثلة التي جمعها تدل على مقصوده، ويطالب مخالفه في دعواه أن يستقرئ هذه الأمثلة ويخرجها على غير تفسيره هو، وهذا ما أسأل الله عليه العون والتوفيق.. وإذا خرجت التفسيرات عن تفسيره بالأدلة الواضحة سقط كل ما بناه عليها، والله المستعان.

([23]) المرجع السابق 282.

([24]) ولذلك فإني أعتبر هذه المطالب ردًا وتفنيدًا لشبهة تغير الأحكام سواء وردت في الكتاب المذكور أو في غيره من الكتب، وإنما تتبعها كما جاءت فيه لأنه استوعب أكثر الشبه التي يمكن أن تروج لقضية التغيير والتبديل، وقد بناها على القول باتباع المصالح، ونحن نحتاج إلى بيان مدى خطورة ترك ضوابط المصلحة من الناحية التطبيقية، ليكون في ذلك عبرة لكل من يتحدث عن الإسلام ويعمل له، فكثيرًا ما ضل قوم وهم يزعمون أنهم يتبعون المصلحة ، ولابد من استيعابه ومتابعة الشبه وتصحيح نقول بعض الباحثين عن الأئمة التي لم تصحح في بحوث أخرى ، ولو اقتضى ذلك نوعاً من التطويل.. والله المستعان..

([25]) تعليل الأحكام 37-38.

([26]) انظر بيانه فيما سبق ص 232.

([27]) سنن أبي داود رقم 533، ومعنى تفلة أي غير متطيبة، وتفلة بفتح المثناة وكسر الفاء، وامرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح» فتح الباري 2/349.

([28]) سنن أبي داود رقم 536، وتعليل الأحكام 38-39.

([29]) رسالة تعليل الأحكام 39.

([30]) المرجع السابق 1/231.

([31]) فتح الباري 2/348-349.

([32]) معنى بكتوه أي وبخوه، انظر سنن أبي داود رقم 4312.

([33]) سنن البيهقي 8/320 الطبعة الأولى 1354هـ - وتعليل الأحكام 60-61-62، وسنن أبي داود 4314.

([34]) سنن البيهقي 8/320، وسنن أبي داود 4324.

([35]) تعليل الأحكام 61.

([36]) انظر ما سبق ص383.

([37]) انظر المسألة فيما سبق ص433-434.

([38]) سنن أبي داود  4324.

([39]) تنوير الحوالك شرح الموطأ 2/220.

([40]) وهو من معنى الأثر السابق- انظر المصدر السابق 2/220.

([41]) تعليل الأحكام 62-63.

([42]) راجع المسألة في كتاب المغني 9/103 إلى 137.

([43]) المغني 9/136.

([44]) تعليل الأحكام 63.

([45]) انظر كيفية الاستنباط من الآية في أحكام القرآن لابن العربي 2/615.

([46]) معنى أملقوا افتقروا. انظر فتح الباري 6/130.

([47]) فتح الباري 6/129-130.

([48]) تعليل الأحكام 32.

([49]) سورة النساء : آية 64.

([50]) سورة الأحزاب : آية 36.

([51]) سورة النور : آية 63.

([52]) سورة الحجرات: آية 1.

([53]) فتح الباري 6/130.

([54]) فتح الباري 6/130.

([55]) فتح الباري 12/275.

([56]) الموافقات 4/225.

([57]) مختصر سنن أبي داود مع معالم السنن للخطابي رقم 4246.

([58]) سنن الترمذي رقم 1474.

([59]) تعليل الأحكام 36.

([60]) تعليل الأحكام 37.

([61]) انظر المغني 308.

([62]) المغني 308-309، تعليل الأحكام 36-37.

([63]) انظر ما سبق ص358.

([64]) سورة البقرة : آية 104. وقد كان المسلمون من قولهم: «راعنا» الخير فاستعمله اليهود وهم يقصدون به الشر، يقصدون فاعلاً من الرعونة، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، تفسير ابن كثير 1/150 وأعلام الموقعين 3/137. 1/150 وأعلام الموقعين 3./137.

([65])+فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " (الأنعام:108).

([66]) أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ «إن رسول الله × قال ، من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه، قال نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه» فنهاه عن سب غير أبيه وأمه لكي لا يتخذ ذريعة لسب أبويه . باب أكبر الكبائر 2/83- صحيح مسلم بشرح النووي.

([67]) الموافقات 3/189، 190.

([68]) 3/137-159.

([69]) الموافقات 3/188.

([70]) المصدر السابق 3/192.

([71]) المصدر السابق 3/193.

([72]) 226، وانظر 200، 391، 509.

([73]) انظر أعلام الموقعين 3/143- 154 ونظرية المصلحة 227.

([74]) ومثله ما نسبه إلى عمر رضي الله عنه ص 37-38. من أنه منع أهل الذمة من الذبح للمسلمين واعتبر هذا العمل من عمر رضي الله عنه مخالفة للنص الذي أجاز حل ذبائحهم وهو قوله تعالى:+وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ" .

والظاهر - والله أعلم- أنه لا ارتباط بين الموضعين فحل ذبائحهم لا يلزم منه جواز استخدامهم في الذبح للمسلمين في أسواقهم من دون المسلمين، والاعتماد عليهم في مثل هذه الأمور، حتى يقول أن عمر منع ذلك مخالفًا فيه للآية، فالجهة منفكة كما يقول الأصوليون.

([75]) ومثل ذلك ما  قاله في تضمين الصناع ص59. مع أن هذا المثال في الحقيقة يدخل تحت أصل أو قاعدة معتبرة وهي قاعدة سد الذرائع. انظر نظرية المصلحة 341، أو تدخل تحت أصل معتبر وهو أن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة عند التعارض في الوقائع التي لم يرد فيها حكم منصوص. نظرية المصلحة 133-137.

([76]) انظر الإجماع ص266-384.

([77]) أشرت إلى فساد عقيدته وفساد رأيه الذي قدم به المصلحة على النص . انظر ما سبق ص413.

([78]) انظر رسالة أستاذي «نظرية المصلحة» من أولها إلى آخرها تجد فيها ما يثبت ذلك ، وكذلك ضوابط المصلحة.

([79]) تعليل الأحكام 3002. 

(