الشبهة(7)  :  دعوتهم لتطوير( تحريف ) أصول الفقه

   

من أولى المسائل في أصول الفقه التي تثير العصرانية حولها الغبار هذه القضية:

هل بالإمكان حدوث تطور جديد في أصول الفقه؟

لعل (إقبال) مِنْ أوائل مَنْ أثاروا هذه المسألة، وناقش في كتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام) الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والرأي عنده: «إن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام، ومن تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة، هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ».([1])

وتبنت الدعوة إلى الاجتهاد في أصول الفقه مجلة (المسلم المعاصر)، إذ كتب مؤسسها د. جمال الدين عطية في كلمة التحرير لأول عدد صدر منها واصفًا المجلة بأنها: (مجلة الاجتهاد)، وأنها «.. تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه».([2]) واشتملت المجلة في نفس العدد والأعداد التالية على بعض المقالات عن هذا الموضوع.([3])

ويردد هذه الدعوى آخرون، منهم الدكتور أحمد كمال أبو المجد، إذ كتب يقول:

«والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون ليس اجتهادًا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم، فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها أفضى بحثهم إلى وقفة مع الأصول.. وليس ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين من امتناع الاجتهاد في الأصول إلا التزامًا بما لا يلزم، وتقصيرًا في بذل الجهد بحثًا عما ينفع الناس».([4])

وحتى لا يضيع الفكر في متاهات من التعميمات، فإن الخطوة الأولى لتلمس الحقيقة في هذا الموضوع الخطير تبدأ بتحديد ما المقصود بالاجتهاد في أصول الفقه.

قد يكون المقصود من ذلك عدة أمور نجملها فيما يلي:

(1)       استحداث قواعد جديدة في أصول الفقه لم تكن معروفة من قبل ولم يصل إليها السابقون، وهذا هو المعنى المتبادر عادة من كلمة اجتهاد بمعناها الإصلاحي؛ إذ أن الاجتهاد في الفقه عادة ينصرف إلى استنباط أحكام جديدة للحوادث الطارئة.

فإذا كان هو المقصود من الاجتهاد في أصول الفقه، فأين هذه القواعد الجديدة المستحدثة؟ فبدلاً من إثارة الضجيج وضرب الطبول عن إمكان الاجتهاد أو عدم إمكانه، فمن كانت عنده قواعد جديدة فليأتِ بها وليطلع العالم عليها، وحينئذ فقط نتحقق إن كانت هي بحق قواعد علمية تقوم على الدليل والبرهان، أم أنها محض تخرصات وأهواء شخصية. وفيما أعلم لا أحد قدم قواعد جديدة.

(2)       وقد يكون المقصود من الاجتهاد عدم التقليد في أصول الفقه، بمعنى أنه لا تقبل الآراء فيه إلا بحجة ودليل، حتى لو أثبتها الأوائل، ويظل الباب مفتوحًا للترجيح بين الآراء المتنازع فيها والمختلف فيها.

ولا ريب أن هذا معنى صحيح، وهل يخطر ببال كل ذي عقل أن الاستمساك بتقليد آراء الرجال والإذعان لها دون حجة ودليل أمر محمود؟ لا أظن أحدًا من الأوائل دعا إلى ذلك ولا يرتضيه أحد من المعاصرين. وهذه هي كتب أصول الفقه قديمها وحديثها مشحونة بسوق الآراء والأدلة عليها والترجيح بينها.

(3)        وقد يكون المقصود بالاجتهاد توسيع وتفصيل بعض القواعد التي بحثها علم أصول الفقه. وقد أوضح هذا المعنى أحد الذين تناولوا هذا الموضوع فقال: «.. وهناك مسائل تتعلق بالأصول تحتاج إلى مزيد إيضاح وتفصيل، من ذلك تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.. ومن ذلك الإجماع إذا كان مبنيًّا على أمر مصلحي زمني قابل للتغير والتطور بتغير الزمان والمكان والحال.. وهذا يجر إلى قضية أخرى؛ وهي قضية الأحكام أو تغير الفتوى بتغير الأزمان، وما ينبغي أن يوضع لها من حدود وضوابط.. إلى غير ذلك من القضايا والموضوعات التي يكشف عنها طول البحث والنظر في الفقه وأصوله، وتطبيقاته في هذا العصر.. وهذا كله يفسح الميدان لدعاة الاجتهاد ولو كان في أصول الفقه ذاتها».([5])

ولما كانت القضايا المثارة تحت هذا المعنى للاجتهاد في أصول الفقه، تستحق مزيدًا من الفحص والتمعن حتى تسفر الحقيقة عن وجهها، ويتضح ما إذا كانت الدعوى للاجتهاد صادقة أم كاذبة، كان لا بد من إخضاع هذه القضايا للبحث، فإذا ظهر أن هناك اجتهادًا معاصرًا في هذه المسائل، كان الاجتهاد في أصول الفقه أمرًا واقعًا، وإن ظهر أن دعوى الاجتهاد في هذه الأمور لا تقوم على أساس، اتضح أن إمكان الاجتهاد في أصول الفقه لا يعدوا أن يكون إمكانًا نظريًّا بحتًا حتى الآن.

( المرجع : مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 239-242).

 


 

([1]) انظر ص 149 من هذا البحث.

([2]) (هذه المجلة)، كلمة التحرير، د. جمال الدين عطية، ص 7، (المسلم المعاصر)، العدد الافتتاحي، شوال 1394هـ، (نوفمبر 1974م).

([3]) انظر (منهاج هذه المجلة) محمود أبو السعود، ص 123 العدد الافتتاحي ـ و(إمكان الاجتهاد في أصول الفقه) د. مصطفى كمال وصفي، ص 131، العددان الأول والثاني (ربيع الأول 1395هـ) و(نظرات في العدد الأول)، يوسف القرضاوي، ص 136 نفس المصدر.

([4]) (مواجهة مع عناصر الجمود في الفكر الإسلامي المعاصر)، ص 257، مجلة العربي، عدد 222، مايو 1977م.

([5]) (نظرات في العدد الأول) يوسف القرضاوي، ص 138، (مجلسة المسلم المعاصر)، العدد الأول والثاني ربيع الأول 1395هـ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الدكتور محمود الطحان رادًا على الترابي الذي يروج لهذه الدعوة :

قول الترابي : «فَيُمْكِن أنْ نَّرُد إلى الجماعة المسلِمة حقَّها الذي كان قَدْ باشَرَهُ عنها مُمَثِّلوها الفقهاء، وهو سُلْطَة الإجماع، ويُمْكِن بذلك أنْ تَتَغَيَّر أُصول الفِقْهِ والأحكام، ويُصْبِح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصْلَيْن مِن أُصولِ الأحكام في الإسلام».([1])

ويقول أيضًا: «فإذَنْ يُمْكِن أنْ نَحْتَكِم إلى الرَّأْيِ العام المسلِم، ونَطْمَئِنَّ إلى سلامة فِطْرَةِ المسلمين، حتى ولو كانوا جُهَّالاً في أنْ يَضْبِطُوا مدَى الاختلاف ومَجال التفرُّق».([2])

ويقول أيضاً: «.. ويدور بين الناس الجدَلُ والنِّقاش حتى يَنْتَهِي في آخِر الأمْر إلى حسْم القضية، أو يَتَبَلْوَر رأْىٌعامُّ؛ أو قرارٌ يُجْمِع عليه المسلمون، أو يُرَجِّحُه جمُهورهم وسَوادُهم الأعظم».([3])

هكذا صار الإجماع- بعد تطويره وتجديده – عند الدكتور التُّرابي، جَدَلاً ونِقاشًا بين الناس – كلِّ الناس- وتَصْوِيتًا في نهاية الأمر، فما صَوَّتَ له جمهورهم وسَوادُهم الأعظم كان حُكْمًا لازمًا يَنْزِل عليه كلُّ المسلمين!.

سبحان الله! متى كان عامَّة الناس يُرجَعُ إليهم في الأمور العلمية الدقيقة التي تحتاج إلى بحث؟ وهل جَدَلُ العامة ونِقاشُهم مَبْنِيٌّ على أصولٍ علميةٍ، أم هُوَ لَغَطٌ وسَفسَطةٌ، كلٌّ يتكَلَّم كما يَحْلُو له, ألَيْسَت هذه غَوْغائية؟ أليست هذه الطريقة التي اكْتَوَينا بِنارِها مِن بَعْضِ الحكَّام والدِّكْتاتورِيِّين الظالمين؟ فإنه كلما أراد شيئًا أتَوْا بِمَشْروعٍ، وطرَحُوه لِلْتَّصْويتِ عليه مِن قِبَلِ عامَّة الناس، أو الشعب، ليأخذوا عليه الموافقة، ثم يُصبح قانونًا مُلْزِمًا، حتى أنَّ بعض الحكام أراد أن يَحْمِيَ فُجُورَه وفُجُورَ أهْلِه، فأخْرَجَ قانونًا سَمَّاه قانون «العَيبْ» وطَرَحه للتصويت عليه، فَنَال مُوافَقَة السَّوادِ الأعظم، وصار القانون مُلْزِمًا للمسلمين في ذلك القُطْر.

ثم إنَّ التُّرابي مِن أيْنَ تَخيَّلَ أنَّ الإجماع كان أولاً حقًا لجميع أفراد الشعب، وأنهم استعملوه في عصور الإسلام الأُوْلَى، ثم باشَر هذا الحق نيابةً عنهم- الفُقَهاءُ في عصور الجهْل والانْحِطاط، ثُم الآن يُريد أنْ يُعيد هذا الحق إلى الشعب، لأن الجهل زال، وصار الناس بفضل دعْوَتِه مُتَعَلِّمين مُتَنَوِّرين! مِن أينَ جاء بِهذا السَّرْد التاريخيِّ لِواقِع الإجماع؟ أين وَجَدَه؟ وفي أيِّ مَصْدَرٍ قرَأَهُ؟ أهذا يَجُوز، يَتَخَيَّل الأمور تَخَيُّلاً، ثم يُلْقِيها على الناس على شَكْل مُحَاضراتٍ، ويَنْشُرُها على شكل رسائلَ لدَعوةٍ تجديديةٍ للإسلام!

مع أنَّ الإجماع الشرعي عند علماء أصول الفقه الإسلامي منذ نشأته في القرون الثلاثة الأولى إلى يومنا هذا له تعريفٌ واحدٌ مُؤَّداهُ: اتِّفاق علماء عصرٍ واحدٍ على حُكمٍ شرعيٍ واحدٍ([4]) فقد عرَّفَه البَيْضاوِيُّ في مناهِج الوُصول بأنه: «اتفاق أهْل الحل والعَقْدِ مِن أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم  على أمْرٍ من الأمور»([5]). وعرَّفه تاجُ الدِّين السُّبْكي في جَمْع الجوامع بأنه: «اتفاق مُجْتَهدِي الأمة بعد وفاة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم  في عصرٍ على أيِّ أمرٍ كان»([6])، وعرَّفه الخَطيب البَغْداديُّ في "الفقيه والمتفقه" بأنه «إجماع أهل الاجتهاد في عصر، فقال: «إجماع أهل الاجتهاد في كل عصرٍ حُجَةٌ مِن حُجَجِ الشرع»([7]).

 فأين إجماع الشعب الذي يَدَّعيه التُّرابي؟

2-  وأما أمرُ الحاكم – أو وَلِي الأمر – فَقَدِ اهْتَمَّ به التُّرابي كثيرًا، وأوْلاهُ مِن العِناية ما يَلْفِت النَّظَر، وتَهَجَّم على الفقهاء والأصوليين القُدامَى بِحُجَة أنهم أغْفَلوا حقَّ الحاكِم في التشريع وإصدار الأحكام، ودعا بإصرارٍ إلى إعادة هذا الحق إليهم فقال: بعد أنْ سَرَدَ مُقَدِمةً طويلةً كلُّها مُغالَطاتٌ, وأشياءُ تَخَيَّلها؛مالَها مِن واقِعِ التاريخ في شيءٍ بالنِّسبة للإجماع وحق الحاكم - «فإذا حالت»([8]) تلك الظروف، وقامت فِينا مَثَلاً حكوماتٌ ثَوْرِيةٌ ينبغي أن يُكَيَّفَ عِلْمُ الأصول بما يَرُدُّ إلى تلك الحكومات حقها في إنشاء الأحكام بأمر الحاكم وَقْفًا على مُوافَقَة الكِتابِ والسُّنَّة»([9]).

وقد غَفَل الدكتور الترابي أو تَغَافَل عن مَوْضوع حقِّ الخليفةِ أوْ وَلِيّ الأمر المسلم في تَبَنِّي الأحكام الشرعية- سواءَ كانت من اجتهاده ,إذا كان مجتهدًا، أو من اجتهاد أحد المجتهدين المُعْتَبَرِين, إن لم يَكُنْ مجتهدا - الذي بَحَثه علماء أصول الفقه، وذكروه في مُصَنَّفَاتهم، ولم يُغْفِلوه ولم يُعَطِّلوه كما ادَّعَى.

لكن ينبغي التفريق بين تَبَنِّي ولي الأمر للأحكام الشرعية والأمرِ بتنفيذِها، وبين إنشاء الأحكام بأمرِ الحاكم،ِ فليس لِلحاكمِ أنْ يُنْشِىَء الأحكام، ويطْلُب التَّصْويت عليها – كما مَرَّ- وإنما له أنْ يَتَبَنِّى الأحكام الشرعية التي استُنْبِطَت باجتهادِ مجتهدٍ عالمٍ في دين الله وشريعته.

ويُنْظَر في مَوْقِع حقِّ وليِّ الأمرِ في تَبَنِّي الأحكام الشرعية والأمر بتنفيذها كِتاب "غياث الأمم في الْتِياثِ الظُّلَم "ص 216 و 217 وغيره من كتب السياسة الشرعية.

وقد مر بنا قبل قليل- في بحث الإجماع – قول الدكتور الترابي: «ويُصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتُصبِح أوامرُ الحكام كذلك أصْلَيْن من أصول الأحكام في الإسلام».([10])

ويقول الترابي أيضًا: «وإلى جانب الرأْيِ العام المسلم الذي كان هو الضمان الوحيد في العُهود السابقة، فإنَّ الحكومة الإسلامية النِّظامية في العَهْدِ الحديث يمُْكن أنْ تُصبح ضَمانَةً كُبْرَى لِوِحْدة الفِكْر».([11])

ما المراد بـ «الحكومة الإسلامية النظامية» هل يَعْنِي؛أن َّالحكومات الإسلامية السابقة زمن الخلافة الإسلامية كان حكوماتٍ فَوْضَوِية ًأو استبْداديةً؟ كأنَّ الدكتور الترابي يَعْنِي هذا، فقد قال في ص 9 من رسالة "تجديد الفكر الإسلامي": «ذلك أن حكومة المسلمين وقْتَئِذ كانت حكومةً تتَوَلَّى الحُكْم إمَّا بالوِراثَةِ أو بالقوة، ولم تكن بذلك مُؤَهَّلَةً لأَنْ تَطْلُب من المسلمين حق الطاعة، ولذلك أغْفَلَهَا الفقهاء، وجَرَّدُوها من حقِّ وَضْعِ الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين».

إذا على رأي الدكتور الترابي- إن الحكومات الإسلامية من القرن الأول إلى زمن سقوط الخلافة العثمانية على يد الإنكليز عام 1924م لم تكن مُؤَهَّلَةً لأنْ تَطْلُب من المسلمين حق الطاعة، لأنها حكوماتٌ تَوَلَّت الحُكْم إمَّا بالوراثة أو بالقوة، ومن يقول بهذا إلاَّ غُلاةُ الشِّيعة والخوارج! أما قَوْلُ الترابي: «ولذلك أغفلها الفقهاء وجرَّدُوها مِن حقِّ وَضْع الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين» فَغَيْر صحيحٍ ومُخالِفٌ للواقع التاريخيِّ للفقه الإسلامي، وحياة المسلمين العملية التطبيقية، فقد كان الفقهاء يذكرون حق الحكومة في تَبَنِّي الأحكام الشرعية، والأمر بتنفيذها ووجوب إطاعتها من قبل الرعية كما تقدم قريبًا.

ولم يَكُن لِيَسْتَقِيم أمرُ الدَّوْلة الإسلامية على مَرِّ العُصُورِ ويَزْدَهِر، ولم تكن لِتَسْتَمِرّ الفتوحات الإسلامية، وتكون الدولة الإسلامية أقوى دَوْلَة ٍعلى وَجْهِ الأَرْضِ لو كانت أوامرُ تلك الدولة غيرُ واجبة الطاعة من قِبَلِ المسلمين.

3- وأما القِياسُ، فإنَّ الدكتور التُّرابي لا يُريد بِه قياس الفقهاء والأصوليين الذي له ضوابط وشروط، وإنما يريد قياسا حُرًّا فِطْرِيًا عَفَوِيًا، ليس له أيَّةُ ضوابط أو قُيود، لأنَّ هذه الضوابط والقيود- في زعْمِه – مِن وضْعِ مَناطِقَة الإغريق، ثم اقْتَبسها الفقهاء عنهم.

معَ أنَّ تَعْريف القياس عند الأصوليين غيرُ مُعَقَّدٍ، فقَد عرَّفَه الخطيب البَغدادي فقال: «هو حَمْلُ فَرْعٍ على أصْلٍ في بعض أحكامه، لِمَعْنَى يَجمع بينهما»([12]). وعرَّفه البَيْضاوِيُّ بأنه: «إثْباتُ مِثلُ حُكمٍ مَعلومٍ في معلومٍ آخَر لاشْتِراكهما في علة ِالحُكم عند المُثْبِت».([13])

فتحت عنوان: «نحو أصولٍ واسعةٍ لِفِقْهٍ اجتهاديِّ» قال الدكتور الترابي: «وفي هذا المجال العام يَلْزَمُ الرُّجوع إلى النُّصوص بِقواعد التفسير الأصولية، ولكنَّ ذلك لا يَشْفِي إلاَّ قليلاً، لِقِلَّة النُّصوص، ويَلْزَمُنا أنْ نُطَوِّر طرائق الفِقْه الاجتهاديِّ التي يتَّسِع فيها النظر بِناءً على النَّص المَحْدود، وإذا لجَأْنا هنا لِلقياس لِتَعْدِية النصوص وتَوْسيعِ مَدَاها، فما ينبغي أن يكون ذلك هو القياس بِمَعَايِيْرِه التقليدية، فالقياس التقليدي أغلَبُه لا يَسْتَوْعِب حاجاتِنا بما غَشَيهُ من التضْيِيق اتْفاقًا بمعايير المَنْطِق الصُّورِي التي وردَت على المُسلمين مع الغَزْوِ الثقافي الأوَّل، الذي تأثر به المسلمون تأثرًا لا يُنازعه إلاَّ تأثرنا اليوم بأنْماط الفكر الحديث».([14])

عجبًا لك يا ترابيُّ، أَتَتَّهِم المسلمين بما فيهم أئمة الفقه والأصول في العصر الأول بأنهم انْفَعَلوا بِمَعايير المنْطِق الصُّوري، وتأثروا بالغزو الثقافيِّ الأول وذلك لتَتَفَلَّت من القياس الذي وضعه أئمة أصول الفقه، وتأتيَ الحُكام المعاصرين بقياسٍ واسعٍ ليْس له ضوابط ولا قواعد، لِيَسَعَ كل الأحكام الطاغوتية الوافدة من الغرب المستعْمِر، باسم الإسلام المُتَجَدِّد؟ فَمَنْ أَوْلَى بالاتِّهام بأنه تأثر بالغزوِ الثقافيِّ الأجنبيِّ، علماء أصول الفقه القُدامَى أَمْ أنْت؟ ).

المرجع : ( مَفْهُومُ التَّجْديدِ بين السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ, وبين أدْعِياءِ التَّجْديدِ (المعاصرين)) للدكتور محمود الطحان ، ص 22-27).


 

([1]) تجديد الفكر الإسلامي ص 12.

([2]) تجديد الفكر الإسلامي ص 21.

([3]) تجديد أصول الفقه ص 29.

([4]) انظر الرسالة للإمام الشافعي ص 471 وما بعدها، ففيها هذا المعنى.

([5]) منهاج الوصول في علم الأصول (2/273).

([6]) جمع الجوامع (2/176).

([7]) الفقيه والمتفقه (1/154).

([8]) يقصد بقوله: «حالت» تحولت تلك الظروف وتبدلت.

([9]) تجديد الفكر الإسلامي ص 11.

([10]) تجديد الفكر الإسلامي ص 12 .

([11]) تجديد الفكر الإسلامي ص 21.

([12]) الفقيه والمتفقه (2/178).

([13]) منهاج الوصول في علم الأصول (3/3).

([14]) تجديد أصول الفقه ص 22.

 

 

       www.alkashf.net