قول الترابي : «فَيُمْكِن أنْ نَّرُد إلى الجماعة المسلِمة
حقَّها الذي كان قَدْ باشَرَهُ عنها مُمَثِّلوها الفقهاء،
وهو سُلْطَة الإجماع، ويُمْكِن بذلك أنْ تَتَغَيَّر أُصول
الفِقْهِ والأحكام، ويُصْبِح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب
المسلم، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصْلَيْن مِن أُصولِ
الأحكام في الإسلام».([1])
ويقول أيضًا: «فإذَنْ يُمْكِن أنْ نَحْتَكِم إلى الرَّأْيِ
العام المسلِم، ونَطْمَئِنَّ إلى سلامة فِطْرَةِ المسلمين،
حتى ولو كانوا جُهَّالاً في أنْ يَضْبِطُوا مدَى الاختلاف
ومَجال التفرُّق».([2])
ويقول أيضاً: «.. ويدور بين الناس الجدَلُ والنِّقاش حتى
يَنْتَهِي في آخِر الأمْر إلى حسْم القضية، أو يَتَبَلْوَر
رأْىٌعامُّ؛ أو قرارٌ يُجْمِع عليه المسلمون، أو يُرَجِّحُه
جمُهورهم وسَوادُهم الأعظم».([3])
هكذا صار الإجماع- بعد تطويره وتجديده – عند الدكتور
التُّرابي، جَدَلاً ونِقاشًا بين الناس – كلِّ الناس-
وتَصْوِيتًا في نهاية الأمر، فما صَوَّتَ له جمهورهم
وسَوادُهم الأعظم كان حُكْمًا لازمًا يَنْزِل عليه كلُّ
المسلمين!.
سبحان الله! متى كان عامَّة الناس يُرجَعُ إليهم في الأمور
العلمية الدقيقة التي تحتاج إلى بحث؟ وهل جَدَلُ العامة
ونِقاشُهم مَبْنِيٌّ على أصولٍ علميةٍ، أم هُوَ لَغَطٌ
وسَفسَطةٌ، كلٌّ يتكَلَّم كما يَحْلُو له, ألَيْسَت هذه
غَوْغائية؟ أليست هذه الطريقة التي اكْتَوَينا بِنارِها مِن
بَعْضِ الحكَّام والدِّكْتاتورِيِّين الظالمين؟ فإنه كلما
أراد شيئًا أتَوْا بِمَشْروعٍ، وطرَحُوه لِلْتَّصْويتِ عليه
مِن قِبَلِ عامَّة الناس، أو الشعب، ليأخذوا عليه الموافقة،
ثم يُصبح قانونًا مُلْزِمًا، حتى أنَّ بعض الحكام أراد أن
يَحْمِيَ فُجُورَه وفُجُورَ أهْلِه، فأخْرَجَ قانونًا
سَمَّاه قانون «العَيبْ» وطَرَحه للتصويت عليه، فَنَال
مُوافَقَة السَّوادِ الأعظم، وصار القانون مُلْزِمًا
للمسلمين في ذلك القُطْر.
ثم إنَّ التُّرابي مِن أيْنَ تَخيَّلَ أنَّ الإجماع كان
أولاً حقًا لجميع أفراد الشعب، وأنهم استعملوه في عصور
الإسلام الأُوْلَى، ثم باشَر هذا الحق نيابةً عنهم-
الفُقَهاءُ في عصور الجهْل والانْحِطاط، ثُم الآن يُريد أنْ
يُعيد هذا الحق إلى الشعب، لأن الجهل زال، وصار الناس بفضل
دعْوَتِه مُتَعَلِّمين مُتَنَوِّرين! مِن أينَ جاء بِهذا
السَّرْد التاريخيِّ لِواقِع الإجماع؟ أين وَجَدَه؟ وفي أيِّ
مَصْدَرٍ قرَأَهُ؟ أهذا يَجُوز، يَتَخَيَّل الأمور
تَخَيُّلاً، ثم يُلْقِيها على الناس على شَكْل مُحَاضراتٍ،
ويَنْشُرُها على شكل رسائلَ لدَعوةٍ تجديديةٍ للإسلام!
مع أنَّ الإجماع الشرعي عند علماء أصول الفقه الإسلامي منذ
نشأته في القرون الثلاثة الأولى إلى يومنا هذا له تعريفٌ
واحدٌ مُؤَّداهُ: اتِّفاق علماء عصرٍ واحدٍ على حُكمٍ شرعيٍ
واحدٍ([4])
فقد عرَّفَه البَيْضاوِيُّ في مناهِج الوُصول بأنه: «اتفاق
أهْل الحل والعَقْدِ مِن أُمَّة محمد
صلى الله عليه وسلم
على أمْرٍ من الأمور»([5]).
وعرَّفه تاجُ الدِّين السُّبْكي في جَمْع الجوامع بأنه:
«اتفاق مُجْتَهدِي الأمة بعد وفاة نبيها محمد
صلى الله عليه وسلم
في عصرٍ على أيِّ أمرٍ كان»([6])،
وعرَّفه الخَطيب البَغْداديُّ في "الفقيه والمتفقه" بأنه
«إجماع أهل الاجتهاد في عصر، فقال: «إجماع أهل الاجتهاد في
كل عصرٍ حُجَةٌ مِن حُجَجِ الشرع»([7]).
فأين إجماع الشعب الذي
يَدَّعيه التُّرابي؟
2- وأما أمرُ الحاكم – أو وَلِي الأمر – فَقَدِ اهْتَمَّ به
التُّرابي كثيرًا، وأوْلاهُ مِن العِناية ما يَلْفِت
النَّظَر، وتَهَجَّم على الفقهاء والأصوليين القُدامَى
بِحُجَة أنهم أغْفَلوا حقَّ الحاكِم في التشريع وإصدار
الأحكام، ودعا بإصرارٍ إلى إعادة هذا الحق إليهم فقال: بعد
أنْ سَرَدَ مُقَدِمةً طويلةً كلُّها مُغالَطاتٌ, وأشياءُ
تَخَيَّلها؛مالَها مِن واقِعِ التاريخ في شيءٍ بالنِّسبة
للإجماع وحق الحاكم - «فإذا حالت»([8])
تلك الظروف، وقامت فِينا مَثَلاً حكوماتٌ ثَوْرِيةٌ ينبغي أن
يُكَيَّفَ عِلْمُ الأصول بما يَرُدُّ إلى تلك الحكومات حقها
في إنشاء الأحكام بأمر الحاكم وَقْفًا على مُوافَقَة
الكِتابِ والسُّنَّة»([9]).
وقد غَفَل الدكتور الترابي أو تَغَافَل عن مَوْضوع حقِّ
الخليفةِ أوْ وَلِيّ الأمر المسلم في تَبَنِّي الأحكام
الشرعية- سواءَ كانت من اجتهاده ,إذا كان مجتهدًا، أو من
اجتهاد أحد المجتهدين المُعْتَبَرِين, إن لم يَكُنْ مجتهدا -
الذي بَحَثه علماء أصول الفقه، وذكروه في مُصَنَّفَاتهم، ولم
يُغْفِلوه ولم يُعَطِّلوه كما ادَّعَى.
لكن ينبغي التفريق بين تَبَنِّي ولي الأمر للأحكام الشرعية
والأمرِ بتنفيذِها، وبين إنشاء الأحكام بأمرِ الحاكم،ِ فليس
لِلحاكمِ أنْ يُنْشِىَء الأحكام، ويطْلُب التَّصْويت عليها –
كما مَرَّ- وإنما له أنْ يَتَبَنِّى الأحكام الشرعية التي
استُنْبِطَت باجتهادِ مجتهدٍ عالمٍ في دين الله وشريعته.
ويُنْظَر في مَوْقِع حقِّ وليِّ الأمرِ في تَبَنِّي الأحكام
الشرعية والأمر بتنفيذها كِتاب "غياث الأمم في الْتِياثِ
الظُّلَم "ص 216 و 217 وغيره من كتب السياسة الشرعية.
وقد مر بنا قبل قليل- في بحث الإجماع – قول الدكتور الترابي:
«ويُصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم، وتُصبِح
أوامرُ الحكام كذلك أصْلَيْن من أصول الأحكام في الإسلام».([10])
ويقول الترابي أيضًا: «وإلى جانب الرأْيِ العام المسلم الذي
كان هو الضمان الوحيد في العُهود السابقة، فإنَّ الحكومة
الإسلامية النِّظامية في العَهْدِ الحديث يمُْكن أنْ تُصبح
ضَمانَةً كُبْرَى لِوِحْدة الفِكْر».([11])
ما المراد بـ «الحكومة الإسلامية النظامية» هل يَعْنِي؛أن
َّالحكومات الإسلامية السابقة زمن الخلافة الإسلامية كان
حكوماتٍ فَوْضَوِية ًأو استبْداديةً؟ كأنَّ الدكتور الترابي
يَعْنِي هذا، فقد قال في ص 9 من رسالة "تجديد الفكر
الإسلامي": «ذلك أن حكومة المسلمين وقْتَئِذ كانت حكومةً
تتَوَلَّى الحُكْم إمَّا بالوِراثَةِ أو بالقوة، ولم تكن
بذلك مُؤَهَّلَةً لأَنْ تَطْلُب من المسلمين حق الطاعة،
ولذلك أغْفَلَهَا الفقهاء، وجَرَّدُوها من حقِّ وَضْعِ
الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين».
إذا على رأي الدكتور الترابي- إن الحكومات الإسلامية من
القرن الأول إلى زمن سقوط الخلافة العثمانية على يد الإنكليز
عام 1924م لم تكن مُؤَهَّلَةً لأنْ تَطْلُب من المسلمين حق
الطاعة، لأنها حكوماتٌ تَوَلَّت الحُكْم إمَّا بالوراثة أو
بالقوة، ومن يقول بهذا إلاَّ غُلاةُ الشِّيعة والخوارج! أما
قَوْلُ الترابي: «ولذلك أغفلها الفقهاء وجرَّدُوها مِن حقِّ
وَضْع الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين» فَغَيْر صحيحٍ
ومُخالِفٌ للواقع التاريخيِّ للفقه الإسلامي، وحياة المسلمين
العملية التطبيقية، فقد كان الفقهاء يذكرون حق الحكومة في
تَبَنِّي الأحكام الشرعية، والأمر بتنفيذها ووجوب إطاعتها من
قبل الرعية كما تقدم قريبًا.
ولم يَكُن لِيَسْتَقِيم أمرُ الدَّوْلة الإسلامية على مَرِّ
العُصُورِ ويَزْدَهِر، ولم تكن لِتَسْتَمِرّ الفتوحات
الإسلامية، وتكون الدولة الإسلامية أقوى دَوْلَة ٍعلى وَجْهِ
الأَرْضِ لو كانت أوامرُ تلك الدولة غيرُ واجبة الطاعة من
قِبَلِ المسلمين.
3- وأما القِياسُ، فإنَّ الدكتور التُّرابي لا يُريد بِه
قياس الفقهاء والأصوليين الذي له ضوابط وشروط، وإنما يريد
قياسا حُرًّا فِطْرِيًا عَفَوِيًا، ليس له أيَّةُ ضوابط أو
قُيود، لأنَّ هذه الضوابط والقيود- في زعْمِه – مِن وضْعِ
مَناطِقَة الإغريق، ثم اقْتَبسها الفقهاء عنهم.
معَ أنَّ تَعْريف القياس عند الأصوليين غيرُ مُعَقَّدٍ، فقَد
عرَّفَه الخطيب البَغدادي فقال: «هو حَمْلُ فَرْعٍ على أصْلٍ
في بعض أحكامه، لِمَعْنَى يَجمع بينهما»([12]).
وعرَّفه البَيْضاوِيُّ بأنه: «إثْباتُ مِثلُ حُكمٍ مَعلومٍ
في معلومٍ آخَر لاشْتِراكهما في علة ِالحُكم عند المُثْبِت».([13])
فتحت عنوان: «نحو أصولٍ واسعةٍ لِفِقْهٍ اجتهاديِّ» قال
الدكتور الترابي: «وفي هذا المجال العام يَلْزَمُ الرُّجوع
إلى النُّصوص بِقواعد التفسير الأصولية، ولكنَّ ذلك لا
يَشْفِي إلاَّ قليلاً، لِقِلَّة النُّصوص، ويَلْزَمُنا أنْ
نُطَوِّر طرائق الفِقْه الاجتهاديِّ التي يتَّسِع فيها النظر
بِناءً على النَّص المَحْدود، وإذا لجَأْنا هنا لِلقياس
لِتَعْدِية النصوص وتَوْسيعِ مَدَاها، فما ينبغي أن يكون ذلك
هو القياس بِمَعَايِيْرِه التقليدية، فالقياس التقليدي
أغلَبُه لا يَسْتَوْعِب حاجاتِنا بما غَشَيهُ من التضْيِيق
اتْفاقًا بمعايير المَنْطِق الصُّورِي التي وردَت على
المُسلمين مع الغَزْوِ الثقافي الأوَّل، الذي تأثر به
المسلمون تأثرًا لا يُنازعه إلاَّ تأثرنا اليوم بأنْماط
الفكر الحديث».([14])
عجبًا لك يا ترابيُّ، أَتَتَّهِم المسلمين بما فيهم أئمة
الفقه والأصول في العصر الأول بأنهم انْفَعَلوا بِمَعايير
المنْطِق الصُّوري، وتأثروا بالغزو الثقافيِّ الأول وذلك
لتَتَفَلَّت من القياس الذي وضعه أئمة أصول الفقه، وتأتيَ
الحُكام المعاصرين بقياسٍ واسعٍ ليْس له ضوابط ولا قواعد،
لِيَسَعَ كل الأحكام الطاغوتية الوافدة من الغرب المستعْمِر،
باسم الإسلام المُتَجَدِّد؟ فَمَنْ أَوْلَى بالاتِّهام بأنه
تأثر بالغزوِ الثقافيِّ الأجنبيِّ، علماء أصول الفقه
القُدامَى أَمْ أنْت؟
).
المرجع :
(
مَفْهُومُ التَّجْديدِ بين السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ, وبين
أدْعِياءِ التَّجْديدِ (المعاصرين))
للدكتور محمود الطحان ، ص 22-27).